الثلاثاء  
1438/04/19
هـ  
 الموافق:    2017/01/17م    
 
ركن الأسرة
   
مشاكل وحلول
   
لقد وقعت في الحب !
لقد وقعت في الحب !

تقدَّمتْ نحوي تمشي على استحياء، حتى وقفتْ أمامي كأطلال مدينة عتيقة وقالت: " لقد وقعتُ في الحب ! " .

رفعتُ رأسي غير مصدِّق أنَّ هذه الزهرة التي لم تتفتَّح بعدُ قد فقدتْ شَذاها، وبادَرتْني كأنها تريد أن لا أتَّخذ موقِفًا يُؤلِمها قائلة: كيف أَقتُل هذا الحبَّ يا أستاذ؟.

لم أكنْ أتوقَّع أن أتلقى مثل هذا السؤال.. حدَّثتْني نفسي: لو كانت مَن تقف أمامك الآن ابنتُكَ، ماذا ستفعل؟ هل تَضرِبها، أم تَحرِمها مِن الخروج مِن البيت.

كل الاحتمالات كانت فاشِلةً في العلاج إلا الإقناع بالحوار. 

تذكَّرت قصَّة الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع ذلك الشاب الذي جاءه يَستأذنه في الزنا، فقدَّم له أنجع دواء لأعظم داء، عندما بدأ الرسول - صلى الله عليه وسلم - يوجِّه له تلك الأسئلة المُحرِجة: أتحبُّه لأمِّك؟ قال: لا والله جعَلني الله فداءك، قال: ولا الناس يُحبُّونه لأمَّهاتهم، وهكذا بدأ يُعدِّد له محارَمه والشاب لا يَرضاه لأيِّ واحدة منهنَّ، ثم دعا له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالخير.

عِندها قرَّرتُ أن أعاملها بنفْس الطَّريقة، فقُلتُ لها: هل تتذكَّرين الحديث الذي كنتُ كتبتُه لكم قبل أيام عن حبِّ الله ورسوله؟ أومأتْ برأسها: نعم، وردَّدت عباراته الأولى: ((ثلاث مَن كنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)).

إذًا؛ فالله - سبحانه - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - هما أولى بحبِّك، أليس كذلك؟ قالت: نعم. إذًا فكيف تُفضِّلين عليهما مخلوقًا لا حول له ولا قوة له؟! بقيتْ صامِتةً كأنها تَنتظِر مني شيئًا آخَر.

هل تَعلمين أن الله يُحبُّك؟ بالطبْع لا تَعلمين، وكثير من الناس لا يعلمون؛ فتعالَي معي لأرِيَك أنَّ الله يُحبُّك.

هل تعلمين أنك قبل خلْقكِ لم تكوني شيئًا يُذكر، وأن الله - سبحانه - أخرجَك مِن العدم دون أن يأخذ رأيك، ولو شاء لخلقك حشَرةً أو طائرًا أو أيَّ حيوان آخَر، ولكنه - سبحانه - برحمتِه أرادك أن تكوني إنسانًا مكرَّمًا وجميع المخلوقات في خدمتِك.

ثمَّ لما خلقَكِ خرجْتِ من بطْن أمِّك سويةً بدون أيِّ إعاقة، بينما هُناك فتيات غيرك وُلدْنَ بدون حاسة سمع أو بصر، فتصوَّري معي لو ولدتِ فاقدةً للبصَر، كيف ستَعرفين وجه أمِّك وأبيك وكل من يُحيطون بكِ؟!.

تصوَّري من تعيش مع أمها لسنوات تسمَع صوتَها، تلمسها، تحضنها... ولكنَّها حُرمت النظر لوجْهها.

ثمَّ لما خلقك سوية رزقَكِ بأبَوين يَرعيانك حتى كبرْت، فغيرك كثيرات ولدْن في الشارع، لا تعرف لها أمًّا ولا أبًا، فغدتْ لعبة بِيَدِ المتسكِّعين في الشوارع أو دور الأطفال، ثمَّ بعد كل هذه المزايا جعَلكِ مُسلمةً، وهذه أعظم نعمة، تخيَّلي نفْسكِ هندوسيَّة تَعبُدين بقرةً تُطعمينَها وتَرعينَها ثم بعد ذلك تطلبين منها حوائجك، أو بوذية أو يهودية أو أي ديانة أخرى، وزادك من فضله فهداك للصلاة والصيام، وغيرُكِ كثير لم يَذوقوا طعْم السجود لله.

ولو أردتُ أن أحصي نِعمَه الظاهرة عليك لما انتهيتُ أبدًا، فكيف بنِعَمِه التي لا نعلمها؛ ولهذا قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾ [النحل: 18].

كل هذه النعم دليل على أنه يُحبُّك، وطلب منك دليلاً واحدًا على أنك تحبِّينه، أتعرفين ما هو؟ أن تُطيعيه - سبحانه - فيما أمرك ولا تَعصيه فيما نهاك، وهو يَنهاك أن تُسلمي نفسك لأيِّ شخْص بدون رضاه، ولا يرضى إلا بالزَّواج الحلال على سنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم.

كانت دموعها تنساب هادئةً دون أن تتكلَّم، فقلت لها: أنا على يقين أنك نادمة لأنَّكِ أحببْتِ مَن لا يُحبُّك وأعرضْتِ عن الله - سبحانه - الذي يحبك، بل يغار عليك، وغَيْرته - سبحانه - أن يرى عبده يَقترف المعاصي، ثم هو يُسامِح، ولو أخطأت في حقِّه مرارًا بينما والدك إن أخطأتِ مرَّتَين أو ثلاثًا يُعاقِبك بسرعة.

لم تَزد على أن قالت: شكرًا لك يا أستاذ، وغادرَت الفصل، لم يكن بإمكاني إلا أن أسأل الله العليَّ القدير أن يُصلِحها وجميع أبناء المسلمين.
  

 
41
 
 
     
 
   تابعـــونــا علــى:
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر 1438هـ