الأحد  
1441/02/21
هـ  
 الموافق:    2019/10/20م    
 
مختارات علمية
   
من بطون الكتب
   
21 فائدة من كتاب " تذكرة السامع والمتكلم.. "
21 فائدة من كتاب " تذكرة السامع والمتكلم.. "

1 ـ قال الحسن : ( إن كان الرجل ليخرج في أدب نفسه السنتين ثم السنتين ) . 

وقال حبيب الشهيد لابنه : ( يا بني ! اصحب الفقهاء والعلماء ، وتعلم منهم ، وخذ من أدبهم ؛ فإن ذلك أحب إليّ من كثير من الحديث ) .

وقال بعضهم لابنه : ( يا بني ! لأن تتعلم باباً من الأدب أحب إليّ تتعلم سبعين باباً من أبواب العلم ) . ص 20 ـ 21 .

2 ـ اعلم أنه لا رتبة فوق رتبة من تشتغل الملائكة وغيرهم بالاستغفار والدعاء له وتضع له أجنحتها ، وإنه لينافس في دعاء الرجل الصالح أو من يظن صلاحه فكيف بدعاء الملائكة ؟ ! . ص31 .

3 ـ قال يحيى بن معاذ : ( لو كانت الدنيا تبراً يفنى والآخرة خزفاً يبقى ؛ لكان ينبغي للعاقل إيثار الخزف الباقي على التبر الفاني ؛ فكيف والدنيا خزف فان والآخرة تبر باق ؟ ! ) . ص47 .

4 ـ من أدوية الرئاء : الفكر بأن الخلق كلهم لا يقدرون على نفعه بما لم يقضه الله له ، ولا على ضيره بما لم يقدره الله تعالى عليه ؛ فلمَ يحبط عمله ويضير دينه ويشغل نفسه بمراعاة من لا يملك له في الحقيقة نفعاً ولا ضراً مع أن الله تعالى يطلعهم على نيته وقبح سريرته ؛ كما صح في الحديث : ( من سمّع سمّع الله به ، ومن يراء يراء الله به ) . ص56 .

5 ـ كان جماعة من السلف يستفيدون من طلبتهم ما ليس عندهم .

قال الحميدي - وهو تلميذ الشافعي - : ( صحبت الشافعي من مكة إلى مصر ، فكنت أستفيد منه المسائل ، وكان يستفيد مني الحديث ) .

وقال أحمد بن حنبل : ( قال لنا الشافعي : أنتم أعلم بالحديث مني ، فإذا صح الحديث ؛ فقولوا لنا حتى آخذ به ) .

وأبلغ من ذلك كله قراءة رسول الله على أُبيّ ، وقال : ( أمرني الله أن أقرأ عليك ( لم يكن الذين كفروا ) . قالوا : من فوائده أن لا يمتنع الفاضل من الأخذ عن المفضول . ص 61 .

6 ـ ومن الناس من ينكر التصنيف والتأليف في هذا الزمان على من ظهرت أهليته وعرفت معرفته ، ولا وجه لهذا الإنكار ؛ إلا التنافس بين أهل الأعصار ؛ وإلا فمن إذا تصرّف في مداده وورقه بكتابة ما شاء من أشعار وحكايات مباحة أو غير ذلك لا ينكر عليه ؛ فلمَ إذا تصرف فيه بتسويد ما ينتفع به من علوم الشريعة ينكر ويستهجن ؟ !

أما من لم يتأهل لذلك ؛ فالإنكار عليه نتيجة لما يتضمنه من الجهل وتقرير من يقف على ذلك التصنيف به ، ولكونه يضيع زمانه فيما لم يتقنه ، ويدع الاتقان الذي هو أحرى به منه . ص62 ـ 63 .

7ـ قال محمد بن الحكم : ( سألت الشافعي عن المتعة ؛ أكان فيها طلاق أو ميراث أو نفقة تجب أو شهادة ؟ فقال : والله ما ندري ) .

واعلم أن قول المسؤول ( لا أدري ) لا يضع من قدره كما يظنه بعض الجهلة ، بل يرفعه ؛ لأن دليل عظيم على عظم محله ، وقوة دينه ، وتقوى ربه ، وطهارة قلبه ، وكمال معرفته ، وحسن تثبته .

وإنما يأنف من قول ( لا أدري ) من ضعفت ديانته وقلّت معرفته ؛ لأنه يخاف من سقوطه من أعين الحاضرين ، وهذه جهالة ورقة دين ، وربما يشهر خطؤه بين الناس ، فيقع فيما فرّ منه ، ويتصف عندهم بما احترز عنه .

وقد أدّب الله تعالى العلماء بقصة موسى مع الخضر حين لم يرد موسى عليه الصلاة والسلام العلم إلى الله تعالى لما سئل : هل أحد في الأرض أعلم منك ؟ . ص79 .

8 ـ ينبغي للمعلم أن يحب لطالبه ما يحب لنفسه كما جاء في الحديث ، ويكره له ما يكره لنفسه .

قال ابن عباس : ( أكرم الناس عليّ جليسي الذي يتخطى رقاب الناس إليّ ، لو استطعت أن لا يقع الذباب عليه ؛ لفعلت ) .

وينبغي أن يعتني بمصالح الطالب ، ويعامله بما يعامل به أعزّ أولاده ؛ من الحنو ، والشفقة عليه ، والإحسان إليه ، والصبر على جفاء ربما وقع منه ، نقص لا يكاد يخلو الإنسان عنه ، وسوء أدب في بعض الأحيان ، ويبسط عذره بحسب الإمكان ، ويوقفه مع ذلك على ما صدر منه بنصح وتلطف ، لا بتعنيف وتعسف ؛ قاصداً بذلك حسن تربيته ، وتحسين خلقه ، وإصلاح شأنه . ص89 .

9 ـ ينبغي على المعلم أن لا يلقي إلى الطالب ما لم يتأهل له ؛ لأن ذلك يبدد ذهنه ويفرّق فهمه . فإن سأله الطالب شيئاً من ذلك ؛ لم يجبه ، ويعرّفه أن ذلك يضره ولا ينفعه ، وأن منعه إياه منه لشفقة عليه ولطف به ، لا بخلاً عليه ، ثم يرغّبه عند ذلك في الاجتهاد والتحصيل ؛ ليتأهل لذلك وغيره . وقد روي في تفسير الرباني : أنه يربي الناس بصغار العلم قبل كباره . ص90 ـ 91 .

10 ـ على المعلم أن يسعى في مصالح الطلبة وجمع قلوبهم ومساعدتهم بما تيسر عليه من جاه ومال عند قدرته على ذلك وسلامة دينه وعدم ضرورته ؛ فإن الله تعالى في عون العبد مادام العبد في عون أخيه ، ومن كان في حاجة أخيه ؛ كان الله تعالى في حاجته ، ومن يسر على معسر ؛ يسر الله عليه حسابه يوم القيامة ، ولا سيما إذا كان ذلك إعانة على طلب العلم الذي هو من أفضل القربات .

وإذا غاب بعض الطلبة أو ملازمي الحلقة زائداً عن العادة ؛ سأل عنه وعن أحواله وعن من يتعلق به ، فإن لم يخبر عنه بشيء ؛ أرسل إليه ، أو قصد منزله بنفسه ، وهو أفضل . فإن كان مريضاً ؛ عاده ، وإن كان في غم خفض عليه ، وإن كان مسافراً تفقد أهله ومن يتعلق به ، وسأل عنهم ، وتعرض لحوائجهم ، ووصلهم بما أمكن ، وإن كان فيما يحتاج إليه فيه إعانة ، وإن لم يكن شيء من ذلك ؛ تودد عليه ، ودعا له .

واعلم أن الطالب أعود على العالم بخير الدنيا والآخرة من أعز الناس عليه وأقرب أهله إليه .

ولذلك كان علماء السلف الناصحون لله ودينه يلقون شبك الاجتهاد لصيد طالب ينتفع الناس به في حياتهم ومن بعدهم ، ولو لم يكن للعالم إلا طالب واحد ينتفع الناس بعلمه وعمله وهديه وإرشاده ؛ لكفاه ذلك الطالب عند الله تعالى ؛ فإنه لا يتصل شيء من علمه إلى أحد فينتفع به ؛ إلا كان له نصيب من الأجر . ص103 ـ 104 .

11 ـ قال : ( إذا مات العبد انقطع عمله ؛ إلا من ثلاثة : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له ) .

وأنا أقول : إذا نظرت ؛ وجدت معاني الثلاثة موجودة في معلم العلم : أما الصدقة ؛ فاقراؤه إياه العلم وإفادته إياه ، وأما العلم المنتفع به ؛ فظاهر ؛ لأنه كان سبباً لإيصال ذلك العلم إلى كل من انتفع به . وأما الدعاء الصالح له ؛ فالمعتاد المستقرأ على ألسنة أهل العلم والحديث قاطبة من الدعاء لمشايخهم وأئمتهم ، وبعض أهل العلم يدعون لكل من يُذكر عنه شيء من العلم ، وربما يقرأ بعضهم الحديث بسنده ، فيدعو لجميع رجال السند ، فسبحان من اختص من شاء من عباده بما شاء من جزيل عطاءه . ص105

12 ـ على الطالب أن يطهر قلبه من كل غش ودنس ، وغل وحسد وسوء عقيدة وخلق ؛ ليصلح بذلك لقبول العلم وحفظه والاطلاع على دقائق معانيه وحقائق غوامضه ؛ فإن العلم كما قال بعضهم : صلاة السر ، وعبادة القلب ، وقربة الباطن ، وكما لا تصح الصلاة التي هي عبادة الجوارح الظاهرة إلا بطهارة الظاهر من الحدث والخبث ؛ فكذلك لا يصح العلم الذي هو عبادة القلب إلا بطهارته عن خبث الصفات ، وحدث مساوئ الأخلاق ورديئها . ص111 .

13 ـ ليحذر الطالب من التقيد بالمشهورين ، وترك الأخذ عن الخاملين ؛ فقد عدّ الغزالي وغيره ذلك من الكبر على العلم ، وجعله عين الحماقة ؛ لأن الحكمة ضالة المؤمن ، يلتقطها حيث وجدها ، ويغتنمها حيث ظفر بها ، ويتقلد المنة لمن ساقها إليه ؛ فإنه يهرب من مخافة الجهل كما يهرب من الأسد ، والهارب من الأسد لا يأنف من دلالة من يدله على الخلاص كائناً من كان .

فإذا كان الخامل ممن ترجى بركته ؛ كان النفع به أعم ، والتحصيل من جهته أتم . وإذا سبرت أحوال السلف والخلف ؛ لم تجد النفع يحصل غالباً والفلاح يدرك طالباً ؛ إلا إذا كان للشيخ من التقوى نصيب وافر ، وعلى شفقته ونصحه للطلبة دليل ظاهر . ص134 ـ 135 .

14 ـ أن يصبر على جفوة تصدر من شيخه أو سوء خلق ، ولا يصده ذلك عن ملازمته وحسن عقيدته ، ويتأول أفعاله التي يظهر أن الصواب خلافها على أحسن تأويل ، ويبدأ هو عند جفوة الشيخ بالاعتذار والتوبة مما وقع والاستغفار ، ونسب الموجب إليه ، ويجعل العتب عليه ؛ فإن ذلك أبقى لمودة شيخه ، وأحفظ لقلبه ، وأنفع للطالب في دنياه وآخرته . ص140 .

15 ـ إذا سمع الطالب الشيخ يذكر حكماً في مسألة ، أو فائدة مستغربة ، أو يحكي حكاية ، أو ينشد شعراً ، وهو يحفظ ذلك ؛ أصغى إليه إصغاء مستفيد له في الحال ، متعطش إليه ، فرح به ، كأنه لم يسمعه قط .

قال عطاء : ( إني لأسمع الحديث من الرجل وأنا أعلم به منه ، فأريه من نفسي أني لا أحسن منه شيئاً ) . فإن سأله الشيخ عند الشروع في ذلك عن حفظه له ؛ فلا يجيب بـ ( نعم ) ؛ لما فيه من الاستغناء عن الشيخ فيه ، ولا يقل : لا ؛ لما فيه من الكذب ، بل يقول : أحب أن أسمعه من الشيخ ، أو : أن استفيده منه ، أو : بعد عهدي ، أو : هو من جهتكم أصح .

فإن علم من حال الشيخ أنه يؤثر العلم بحفظه له مسرة به ، أو أشار إليه بإتمامه ؛ امتحانا ًلضبطه وحفظه ، أو لإظهار تحصيله ؛ فلا بأس باتباع غرض الشيخ ابتغاء مرضاته وازدياد الرغبة فيه . ص156 ـ 157 .

16 ـ على الطالب أن يحذر في ابتداء أمره من الاشتغال في الاختلاف بين العلماء أو بين الناس مطلقاً في العقليات والسمعيات ؛ فإنه يحيّر الذهن ويدهش العقل ، بل يتقن أولاً كتاباً واحداً في فن واحد ، أو كتباً في فنون إن كان يحتمل ذلك ، على طريقة واحدة يرتضيها له شيخه .

فإن كانت طريقة شيخه نقل المذاهب والاختلاف ، ولم يكن له رأي واحد ؛ قال الغزالي : ( فليحذر منه ؛ فإن ضرره أكثر من النفع به ) .

وكذلك يحذر في ابتداء طلبه من المطالعات في تفاريق المصنفات ؛ فإنه يضيع زمانه ، ويفرق ذهنه ، بل يعطي الكتاب الذي يقرؤه أو الفن الذي يأخذه كليته حتى يتقنه ، وكذلك يحذر من التنقل من كتاب إلى كتاب من غير موجب ؛ فإنه علامة الضجر وعدم الإفلاح .

أما إذا تحقق أهليته ، وتأكدت معرفته ؛ فالأولى أن لا يدع فناً من العلوم الشرعية ؛ إلا نظر فيه ، فإن ساعده القدر وطول العمر على التبحر فيه ؛ فذاك ، وإلا فقد استفاد منه ما يخرج به من عداوة الجهل بذلك العلم ، ويعتني من كل علم بالأهم فالأهم ، ولا يغفلن عن العمل الذي هو المقصود بالعلم .171 ـ 176 .

17 ـ على طالب العلم إذا شرح محفوظاته المختصرات ، وضبط ما فيها من الإشكالات والفوائد المهمات ؛ انتقل إلى بحث المبسوطات ، مع المطالعة الدائمة ، وتعليق ما يمر به أو يسمعه من الفوائد النفيسة والمسائل الدقيقة والفروع الغريبة ، وحل المشكلات والفروق بين أحكام المتشابهات من جميع أنواع العلوم ، ولا يستقل بفائدة يسمعها ، أو يتهاون بقاعدة يضبطها ، بل يبادر إلى تعليقها وحفظها .

ولتكن همته في طلب العلم عالية ؛ فلا يكتفي بقليل العلم مع إمكان كثيرة ، ولا يقنع من إرث الأنبياء صلوات الله عليهم بيسيره ، ولا يؤخر تحصيل فائدة تمكن منها ، أو يشغله الأمل والتسويف عنها ؛ فإن للتأخير آفات ، ولأنه إذا حصلها في الزمن الحاضر ؛ حصل في الزمن الثاني غيرها . ص189 ـ 190 .

18 ـ وليحذر من نظر نفسه بعين الجمال والاستغناء عن المشايخ ؛ فإن ذلك عين الجهل وقلة المعرفة ، وما يفوته أكثر مما يحصله . قال سعيد بن جبير : ( لا يزال الرجل عالماً ما تعلم ، فإذا ترك التعلم وظن أنه قد استغنى ؛ أسوأ جهل ما يكون ) . ص190 ـ 191 .

19 ـ وكما لا ينبغي للطالب أن يستحي من السؤال ؛ فكذلك لا يستحي من قوله : لم أفهم ؛ إذا سأله الشيخ ؛ لأن ذلك يفوت عليه مصلحته العاجلة والآجلة : أما العاجلة ؛ فحفظ المسألة ومعرفتها واعتقاد الشيخ فيه الصدق والورع والرغبة ، والآجلة : سلامته من الكذب والنفاق ، واعتياده التحقيق . ص 215 .

20 ـ على الطالب أن يرغّب بقية الطلبة في التحصيل ، ويدلهم على مظانه ، ويصرف عنهم الهموم المشغلة عنه ، ويهون عليهم مؤنته ، ويذاكرهم بما حصله من الفوائد والقواعد والغرائب ، وينصحهم بالدين ؛ فبذلك يستنير قلبه ، ويزكو عمله ، ومن بخل عليهم ؛ لم يثبت علمه ، وإن ثبت لم يثمر ، وقد جرب ذلك جماعة من السلف ، ولا يفخر عليهم ، أو يعجب بجودة ذهنه ، بل يحمد الله تعالى على ذلك ، و يستزيده منه بدوام شكره . ص222 .

21 ـ وعلى الطالب أن يحذر من المماراة في البحث والمغالبة فيه، فإن ثارت نفسه ؛ ألجمها بلجام الصمت والانقياد ، فإن ذلك أقطع لانتشار الغضب ، وأبعد عن منافرة القلوب .

ويجتهد كل من الحاضرين على طهارة القلب لصاحبه ، وخلوه عن الحقد ، وأن لا يقوم وفي نفسه منه شيء ، وإذا قام من الدرس ؛ فليقل ما جاء في الحديث : ( سبحانك اللهم وبحمدك ، ولا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ؛ فاغفر لي ذنبي ؛ إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ) . ص302 ـ 303 .

المصدر:

كتاب " تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم " تأليف ابن جماعة الكناني ، حققه وعلق عليه محمد هاشم الندوي ، الطبعة الثانية 1416هـ ، دار رمادي .
  

 
2278
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر