الخميس  
1441/07/04
هـ  
 الموافق:    2020/02/27م    
 
مختارات علمية
   
من بطون الكتب
   
فوائد من كتاب شفاء العليل لابن القيم
فوائد من كتاب شفاء العليل لابن القيم

الحمدُ لله وحده، والصلاة والسلام على محمَّد رسولِه وعبْدِه، وعلى آله وصحْبه من بعْدِه.

وبعد: فهذه قواعد وفوائدُ منثورةٌ منشورة جمعتها وقيدتُها قديمًا أثناء قراتي على فترات لكتاب شفاء العليل[1] للعلامة ابن القيم - رحمه الله -

وقد حاولت أن أجمع منها ما ذكره - رحمه الله - استطرادًا، أو أصله كقاعدة عامة، أو رأيت أنها فائدة، واستثنيت كل ما يتعلق بمسائل القضاء والقدر إلا ما ندر، ثم رأيت أن ألخصها وأنشرها؛ ليعلم الانتفاع بها، فالله أرجو أن ينفعَ بها مقيدها، وكلَّ مَن يطلع عليها، وأن يجعلها ذُخرًا؛ ﴿ يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 89].

كتاب شفاء العليل: وكتاب شفاء العليل اسمه كاملًا هو: (شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل)، كما نص هو - رحمه الله - على ذلك في مقدمته للكتاب، وهو مصنّف نفيس، تناول فيه ابن القيم - رحمه الله تعالى - ركن الإيمان بالقضاء والقدر، ووجوب الإيمان به، ومراتب القدر، وحكمة الله - عز وجل - فيه، وأفعال العباد بين الكسب والجبر، كما ساق جملة من الأحاديث المتعلقة بالقدر، وأتى عليها - رواية ودراية - وغيرها من المسائل، وردّ فيه أيضًا على من يحتج بالقدر على المعاصي، وغير ذلك من المسائل المتعلقة بهذا الباب.

وهو كتاب ليس له نظير في بابه؛ ولذلك عده طائفة من أهل العلم من أهم المرجع - على الإطلاق - لدراسة موضوع القدر، وهو إلى جانب ذلك يمتاز بحسن التقسيم، وجودة الترتيب، ومتانة التبويب، وقد بلغت أبوابه ثلاثون بابًا، ويقع في مجلد واحد.

قواعد وفوائدُ:

- كل من أصَّل أصلاً لم يؤصله الله ورسوله، قاده قسرًا إلى رد السنة، وتحريفها عن مواضعها؛ فلذلك لم يؤصل حزب الله - عز وجل - ورسوله - صلى الله عليه وآله وسلم - أصلاً غير ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - فهو أصلهم الذي عليه يُعولون، وجنتهم التي إليها يرجعون.

- الحرص هو: بذل الجهد واستفراغ الوسع؛ فإذا صادف ما ينتفع به الحريص كان حرصه محمودًا، وكماله كله في مجموع هذين الأمرين: أن يكون حريصًا، وأن يكون حرصه على ما ينتفع به، فإن حرص على ما لا ينفعه، أو فعل ما ينفعه بغير حرص، فاته من الكمال بحسب ما فاته من ذلك، فالخير كله في الحرص على ما ينفع.

- أعرف خلق الله - عز وجل - به رسله وأنبياؤه - عليهم السلام - وهم أعظم الناس إنكارًا للمنكر، وإنما أرسلوا لإنكار المنكر.

- ما يؤتى أحد إلا من غلط الفهم، أو غلط في الرواية، ومتى صحت الرواية وفُهِمت كما ينبغي، تبيَّن أن الأمر كله من مشكاة واحدة، صادقة متضمنة لنفس الحق وبالله التوفيق.

- المكذب بالحق بعد معرفته له شر من المكذب به ولم يعرفه.

- كل دليل في القرآن على التوحيد، فهو دليل على القدر وخلق أفعال العباد؛ ولهذا كان إثبات القدر أساس التوحيد.

- الكسب قد وقع في القرآن على ثلاثة أوجه:

أحدها: عقد القلب وعزمه؛ كقوله - تعالى -: ﴿ لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ [البقرة:225]؛ أي: بما عزمتم عليه وقصدتموه.

الوجه الثاني من الكسب: كسب المال من التجارة؛ قال - تعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ ﴾ [البقرة:267]، فالأول: للتجار، والثاني: للزراع.

والوجه الثالث من الكسب: السعي والعمل؛ كقوله - تعالى -: ﴿ لاَ يُكَلّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾ [البقرة:286].

- لا يكاد يخفى على ذي الفراسة، الناظر بنور الله مخايل كل شخص بصناعة أو فن من العلم في روائه ومنطقه وشمائله، فما عمل آدمي عملاً إلا ألقى الله - عز وجل - عليه رداء عمله.

- مبدع الشيء وبديعه: لا يصح إطلاقه إلا على الرب؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [البقرة:117]، والإبداع: إيجاد المبدع على غير مثال سبق، والعبد يسمى مبتدعًا؛ لكونه أحدث قولًا لم تمض به سُنة، ثم يقال لمن اتبعه عليه: مبتدع أيضًا.

- العلم يدخل إلى العبد من ثلاثة أبواب: من سمعه، وبصره، وقلبه، فإذا أراد سبحانه هداية عبد، فتح قلبه وسمعه وبصره، وإذا أراد ضلاله، أصمه وأعماه وأبكمه.

- البكم نوعان: بُكم القلب، وبُكم اللسان، كما أن النطق نطقان: نطق القلب، ونطق اللسان، وأشدهما بكم القلب، كما أن عماه وصممه أشد من عمى العين، وصمم الأذن.

- ما في القلب يظهر على العين من الخير والشر، فالعين مرآة القلب تُظهر ما فيه.

- القضاء والقدر فعل عادل حكيم غني عليم، يضع الخير والشر في أليق المواضع بهما.

- صلاحية المحل بشيئين: حسن فَهم، وحسن قصد.

- إذا أعرض العبد عن ربه سبحانه جازاه بأن يعرض عنه، فلا يمكنه من الإقبال عليه، ولتكن قصة إبليس منك على ذكر تنتفع بها أتم انتفاع؛ فإنه لما عصى ربه تعالى، ولم ينقد لأمره وأصر على ذلك، عاقبه بأن جعله داعيًا إلى كل معصية، فعاقبه على معصيته الأولى، بأن جعله داعيًا إلى كل معصية وفروعها صغيرها وكبيرها، وصار هذا الإعراض والكفر منه عقوبة؛ لذلك الإعراض والكفر السابق، فمن عقاب السيئة السيئة بعدها، كما أن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها.

- مرض القلب خروج عن صحته واعتداله؛ فإن صحته أن يكون عارفًا بالحق، محبًّا له، مؤثرًا له على غيره، فمرضه؛ إما بالشك فيه، وإما بإيثار غيره عليه، فمرض المنافقين مرض شك وريب، ومرض العصاة مرض غي وشهوة، وقد سمى الله - سبحانه - كلاًّ منهما مرضًا.

- المرض يدور على أربعة أشياء: فساد وضَعف، ونقصان وظلمة، ثم الشك والجهل والحيرة، والضلال وإرادة الغي، وشهوة الفجور في القلب تعود إلى هذه الأمور الأربعة، فيتعاطى العبد أسباب المرض حتى يمرض، فيعاقبه الله - عز وجل - بزيادة المرض؛ لإيثاره أسبابه، وتعاطيه لها.

- العبد مطروح بين الله - عز وجل - وبين عدوه إبليس، فإن تولاه الله - عز وجل - لم يظفر به عدوه، وإن خذله - عز وجل - وأعرض عنه، افترسه الشيطان كما يفترس الذئب الشاة.

- لعمر الله إن الشيطان ذئب الإنسان؛ كما قاله الصادق المصدوق - صلى الله عليه وآله وسلم[2]، ولكن لم يجعل الله لهذا الذئب اللعين على هذه الشاة سلطانًا مع ضعفها، فإذا أعطت بيدها وسالمت الذئب ودعاها، فلبت دعوته وأجابت أمره، ولم تتخلف بل أقبلت نحوه سريعة مطيعة، وفارقت حمى الراعي الذي ليس للذئاب عليه سبيل، ودخلت في محل الذئاب الذي من دخله كان صيدًا لهم، فهل الذئب كل الذئب إلا الشاة! فكيف والراعي يحذرها ويخوفها وينذرها، وقد رآها مصارع الشاة التي انفردت عن الراعي، ودخلت وادي الذئاب.

- التسلسل لفظ مجمل، لم يرد بنفيه ولا إثباته كتاب ناطق، ولا سنة متبعة، فيجب مراعاة لفظه، وهو ينقسم إلى واجب، وممتنع، وممكن. • الترك ثلاثة أقسام: قسم يثاب عليه، وقسم يعاقب عليه، وقسم لا يثاب ولا يعاقب عليه.

- الظلم حقيقته: وضع الشيء في غير موضعه.

- الشر: وضع الشيء في غير محله، فإذا وضع في محله لم يكن شرًّا.

- الشر نوعان: شر محض حقيقي من كل وجه، وشر نسبي إضافي من وجه دون وجه، فالأول: لا يدخل في الوجود؛ إذ لو دخل في الوجود لم يكن شرًّا محضًا، والثاني: هو الذي يدخل في الوجود.

- الرب - سبحانه - خالق الجميع، والجميع واقع بمشيئته وقدرته، ولو شاء لهدى خلقه أجمعين، والمعصوم من عصمه الله، والمخذول من خذله الله؛ ﴿ أَلاَ لَهُ الْخَلْق وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الأعراف: 54].

- القلب الحي: هو الذي يعرف الحق ويقبله، ويحبه ويؤثره على غيره، فإذا مات القلب لم يبق فيه إحساس، ولا تمييز بين الحق والباطل، ولا إرادة للحق وكراهة للباطل.

- القلوب ثلاثة: قلب قاس وهو: اليابس الصلب الذي لا يقبل صورة الحق ولا تنطبع فيه، وضده القلب اللين المتماسك وهو: السليم من المرض الذي يقبل صورة الحق بلينه، ويحفظه بتماسكه، بخلاف المريض: الذي لا يحفظ ما ينطبع فيه لِمَيَعانه ورخاوته، كالمائع الذي إذا طبعت فيه الشيء قبل صورته بما فيه من اللين، ولكن رخاوته تمنعه من حفظها، فخير القلوب القلب الصلب الصافي اللين؛ فهو يرى الحق بصفائه، ويقبله بلينه، ويحفظه بصلابته.

- من آثار الأخبات: وجل القلوب لذكره - سبحانه - والصبر على أقداره، والإخلاص في عبوديته، والإحسان إلى خلقه.

- إذا أراد الله هداية عبد، وسَّع صدره وشرحه، فدخلت فيه وسكنته، وإذا أراد ضلاله، ضيَّق صدره وأحرجه، فلم يجد محلاًّ يدخل فيه، فيعدل عنه ولا يساكنه، وكل إناء فارغ إذا دخل فيه الشيء ضاق به، وكلما أفرغت فيه الشيء، ضاق إلا القلب اللين، فكلما أفرغ فيه الإيمان والعلم اتسع وانفسح، وهذا من آيات قدرة الرب تعالى.

- العبد يسير إلى الله - سبحانه - بين مشاهدة منته عليه ونعمه وحقوقه، وبين رؤية عيب نفسه وعمله وتفريطه وإضاعته، فهو يعلم أن ربه لو عذبه أشد العذاب، لكان قد عدل فيه، وأن أقضيته كلها عدل فيه، وأن ما فيه من الخير، فمجرد فضله ومنته وصدقته عليه.

________________________

[1] وكان قد أهداني نسخة منه صادرة عن مكتبة دار التراث، في القاهرة - قديمًا - الأستاذ المكرم، والأخ المبجل أبو أسامة عبدالله التنوبي، فجزاه الله - عز وجل - عني خير الجزاء.

[2] وهذا الحديث ضعيف ولا يغتر بتقوية الشيخ الألباني له في تخريج شرح الطحاوية؛ لأنه تراجع عنه فقال:" .. ثم تبين لي أن فيه علة تقدح في صحته ألا وهي الانقطاع بين العلاء بن زياد ومعاذ؛ فإنه لم يسمع منه؛ كما قال المنذري في الترغيب (1/ 132 )، والهيثمي في المجمع ( 2/ 23 )، وقد كنت غفلت عن هذه العلة حين خرجت شرح العقيدة الطحاوية فصححته فيه (ص: 516) جريًا على ظاهر إسناده، والأن قد رجعت عنه والله هو الموفق، وأستغفره من كل زلل"؛ سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة (7/17).

 
3498
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر