الخميس  
1439/11/07
هـ  
 الموافق:    2018/07/19م    
 
ركن الأسرة
   
أزواج وزوجات
   
حتى نعود أحباباً
حتى نعود أحباباً

جلسَتْ تتذكَّر بحسرةٍ تلك الأيامَ التي كان يغمرها فيها بحنانه الفيَّاض، ذلك الحنان الذي كان يحملُ سفينةَ مخاوفها ليرسوَ بها على شاطئ الأمان؛ فتحلو في عينيها الحياةُ رغم كلِّ ما فيها من شظفِ عيشٍ وصعاب.

كلُّ شيءٍ فيه كان ينبِضُ بالحب، حُسنُ خُلقِه معها، عطفه عليها، احتواؤه لها، الآن تبدَّدَ كل ذلك، ولم تعُد ترى منه إلا السرابَ، تحوَّل حنانه إلى غلظةٍ وقسوة، واهتمامه إلى لامبالاةٍ وغفلة!

أما هو، فقد كان يُساوره نفسُ الشعور؛ شعورُ افتقادِ الحبِّ والاهتمام؛ فقد كانت تمنحه كلَّ مشاعر الحب والاحتواء، كانت في بيتها البهجة في أَوْجِ نضارتها، والابتسامةَ في أقصى إشراقتها، الآن تبدَّل الحال إلى حالٍ آخر، فلم تعُد قسماتُ وجهِها تنبضُ برقيق الابتسامات، ولا شفتاها تنطقُ بعذب الكلمات، ولم يعُد يجد فيها الظلَّ الوارف، أو الحنانَ الجارف!

هي تُلقي باللَّوم بينها وبين نفسها عليه؛ لأنه أهملها، وغفل عنها، ونسيَ أنَّ في بيته زوجةً تحتاج إلى زوج؛ مما جعلها تدفن أنوثتها بإرادتها، وتعيش في الحياة وكأنها بالفعل بلا زوج.

وهو يُلقي باللوم عليها؛ لأنها غفلت عن احتياجاته، فأصبحت بالتالي لا تدخل في حيِّز اهتماماته، فرحل حبُّه لها، ولم تعُد تشغل الفكر أو تسكن الوجدان.

ولا يعرف أحدٌ منهما الحقيقة، لا يعرف أحدٌ منهما مَن المسؤول عن إحداث هذه الفجوة العميقة، والهوة السحيقة!

ربما لو كانت أركان بيتهما تنطق، لكشَفَت لهما الحقيقة؛ فلقد كانت خيرَ شاهدٍ على روعة علاقتهما، حين كانا يصونان هذه العلاقةَ بدفء الحب في الله، حين كان يوقظها ليلًا وهو يُداعب خصلات شعرها بحنان ليُصلِّيَا معًا في جوف الليل، ثم تسترخي بعد الصلاة بين ذراعيه ويُسبِّحا معًا، فتطرب أركان بيتهما لصوت تغريد تسبيحهما، وحين كان يغلبه النوم كانت توقظه - وهي تربت على كتفَيْه برحمةٍ وحنان - ليقضيا معًا أروعَ اللحظات في بُستان الصلاة في سكون الليل الخلَّاب.

كانا حينذاك تشملهما الرحمةُ التي وعدَهُما بها النبي صلى الله عليه وسلم، حين قال: ((رَحِمَ اللهُ رجلًا قام من الليلِ فصلَّى وأيقظ امرأتَهُ، فإن أَبَتْ نضَحَ في وجهها الماءَ، رَحِمَ اللهُ امرأةً قامت من الليل وصلَّت وأيقظت زوجَها، فإن أبى نضحت في وجهه الماءَ)).

أركان بيتهما تتذكر حين كانا يحلمان معًا بغرسٍ طيِّبٍ يغرسانه معًا بأيديهما، ويرويانه مع الأيام ليصبح ذات يومٍ شجرةً وارفةَ الظلال، ملتفَّةَ الأغصان، تُؤتي أُكُلَها لكلِّ مَن تطلَّع إلى خيراتِها، وتمنح ظلَّها لكلِّ مَن استظلَّ بظلِّها، وتنشرُ خيرها لكلِّ مَن احتاج إلى خيراتِها.

الآن حين فرَّطا في عبادتهما المشتركة، وصار كلٌّ منهما يعزف ألحان أهدافه على أوتارٍ مُنفردة، انفرط عقد الترابط؛ فتسلَّل الشيطانُ إلى بيتهما من ثغرةٍ لم يضعاها في الحسبان، فتشوَّهت ملامحُ حبهما، وصمتَ صوتُ الحنانِ في بيتهما.

أركان بيتهما تُردِّد بحبٍّ واشتياق: أودُّ لو رأيتكما وأنتما تجمعكما سجدةٌ واحدة، تُخلِصان فيها الدعاء لله، وتُردِّدان بتضرعٍ وحب: ﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾ [الفرقان: 74].

أودُّ لو رأيتكما كما كنتما في بداية الزواج، إذا فتر أحدُكما عن الطاعة، صار الآخر له طاقة دفع إيجابية، وإن عجزت أو كسلت أقدامُ أحدكما عن السير في طريق الإيمان، صار الآخر قدمًا يسير بها حبيبُه نحو هدفه بثباتٍ واطمئنان.

إن توقَّفَت يد أحدكما عن بذل الخير، أمسكت به يدُ شريكه حتى ردَّته إلى بستان الخير بحنان.

مزِّقا بطاعتكما المشتركة حبالَ الشيطان؛ حتى يمتلئ البيت من جديد بالسكينة والمودَّة والأمان.

وتذكَّرا أن الذئب لا يأكلُ من الغنم إلا القاصية، ولا يجرؤ على الاقتراب ممن عاشا في التحام؛ لذا إن أردتما الانتصار على عدوِّكما الذي ينصب عرشه كل يومٍ على الماء، ويحتفل بمن فرَّق بين قلوب الأزواج المتحابة في الله - إن أردتما ذلك، فتذكَّرَا القاعدة الخامسة من قواعد وفنون الحب في الإسلام، وعَضُّوا عليها بالنواجذ مهما كانت الصعاب والتحديات:

مُحالٌ أن يموت حبٌّ كانت بدايته حبًّا في الله، وطاعةً له، وتقربًا إليه، حتى لو اعترته بعض الشوائب، وغطَّت سماءه بعضُ الغيوم.

قد تضيع بعض ملامح هذا الحب، ولكن حين تنتبه القلوب من غفلتها، سيعود الحب أقوى، وستعزف الحياة أنشودةَ السعادة من جديد لقلبينِ تحابَّا في الله.

تذكرا أنَّ العباداتِ والطاعات المشتركة وقودُ العلاقات؛ كلما دامت وقويت، صار الحبُّ أعمق، وبات نسيجه أقوى، واختفت الثقوب التي تسمح للمتطفِّلين والحاقدين أن يمرُّوا من خلالها.

العبادات والطاعات المشتركة تحيي المشاعرَ المدفونة، وتعيد نبض الحبِّ في قلوب الأزواج؛ فاجتمعا معًا على العبادة لتَسْعَدَا.
  

 
704
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر