الأحد  
1441/04/11
هـ  
 الموافق:    2019/12/08م    
 
مختارات علمية
   
تراجم وأعلام
   
الإمام ابن كثير في سطور
الإمام ابن كثير في سطور

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فإن الله تبارك وتعالى حفظ الدين وكتابه العظيم، وهيأ سبحانه لحفظه رجالاً، ينافحون عن الدين وينقلونه إلينا صافياً نقياً، ومن هؤلاء الأئمة الإمام الحافظ ابن كثير رحمه الله.

اسمه ونسبه ومولده:
هو إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير بن زرع، الشيخ الإمام العلامة عماد الدين أبو الفداء ابن الشيخ شهاب الدين أبي حفص القرشي البصروي الدمشقي الشافعي، المعروف بابن كثير[1].

وُلد رحمه الله باتفاق المؤرخين عام سَبْعمِائة للهجرة[2].

وُلد بقرية شرقي بصرى من أعمال دمشق، ومات والده وهو في الرابعة[3]، وقال ابن العماد: " ولما بلغ السابعة من عمره توفي والده"[4].

وقال ابن حجر رحمه الله: "مَات أَبوهُ سنة 703هـ، وَنَشَأ هُوَ بِدِمَشْق"[5].

وقيل: ولد في قرية صغيرة من قرى مدينة بصرى من أرض حوران في بلاد الشام، اسمها "مجدل" وذلك سنة سبعمائة من الهجرة، لما كان أبوه خطيبا بها[6].

وقال الزركلي: "ولد في قرية من أعمال بصرى الشام، وانتقل مع أخ له إلى دمشق سنة 706 هـ ورحل في طلب العلم، وتوفي بدمشق، تناقل الناس تصانيفه في حياته"[7].

نشأته وحياته، ومكانته العلمية وثناء العلماء عليه:

نشأ رحمه الله في بيت متدين فقد كان والده خطيباً كما تقدم، وكان ذلك له الأثر الكبير في نبوغه، ونشأ يتيماً حيث مات والده وهو في الرابعة وقيل السابعة من عمره كما تقدم، وتحولت أسرته إلى دمشق، ونزلت في الدار المجاورة للمدرسة النورية[8].

رباه أخوه الشيخ عبد الوهاب وبه تفقه في مبدأ أمره[9].

ويحدثنا عن نفسه رحمه الله فيقول: "وكانت وفاة الوالد في شهر جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعمائة، في قرية مجيدل القرية، ودفن بمقبرتها الشمالية عند الزيتونة، وكنت إذ ذاك صغيراً ابن ثلاث سنين أو نحوها، لا أدركه إلا كالحلم، ثم تحولنا من بعده في سنة سبع وسبعمائة إلى دمشق صحبة الأخ كمال الدين عبد الوهاب، وقد كان لنا شقيقاً، وبنا رفيقاً شفوقاً، وقد تأخرت وفاته إلى سنة خمسين، فاشتغلت على يديه في العلم، فيسر الله تعالى منه ما يسر، وسهل منه ما تعسر، والله أعلم"[10].

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله مبيناً مكانته العلمية: "قدم دمشق وله نحو سبع سنين سنة ست وسبعمائة مع أخيه بعد موت أبيه وحفظ التنبيه، وعرضه سنة ثماني عشرة، وحفظ مختصر ابن الحاجب، وتفقه بالبرهان الفزاري والكمال ابن قاضي شهبة، ثم صاهر المزي، وصحب ابن تيمية، وقرأ في الأصول على الأصبهاني، وألف في صغره أحكام التنبيه، فيقال: إن شيخه البرهان أعجبه وأثنى عليه...

وكان كثير الاستحضار قليل النسيان جيد الفهم، وكان يشارك في العربية ويستحضر التنبيه ويكرر عليه إلى آخر وقت وينظم نظماً وسطاً.

قال ابن حجى: ما اجتمعت به قط إلا استفدت منه، وقد لازمته ست سنين، وقد ذكره الذهبي في معجمه المختص فقال: الإمام المحدث المفتي البارع، ووصفه بحفظ المتون وكثرة الاستحضار جماعة منهم الحسيني وشيخنا العراقي وغيرهما، وسمع من الحجار والقاسم بن عساكر وغيرهما.

ولازم الحافظ المزي وتزوج بابنته، وسمع عليه أكثر تصانيفه، وأخذ عن الشيخ تقي الدين ابن تيمية فأكثر عنه، وصنف التصانيف الكثيرة في التفسير والتاريخ والأحكام.

وقال ابن حبيب فيه: إمام ذوي التسبيح والتهليل، وزعيم أرباب التأويل، سمع وجمع وصنف، وأطرب الأسماع بقوله وشنف، وحدث وأفاد، وطارت أوراق فتاويه إلى البلاد، واشتهر بالضبط"[11].

وقال عنه ابن العماد رحمه الله: "وكان كثير الاستحضار قليل النسيان جيد الفهم، حفظ "التنبيه" وعرضه سنة ثمان عشرة، وحفظ "مختصر ابن الحاجب"، ثم أقبل على الحديث، فاشتغل بمطالعة متونه ورجاله، فسمع "الموطأ للإمام مالك"، و "الجامع الصحيح للإمام البخاري"، و"الجامع الصحيح للإمام مسلم"، و "سنن الدارقطني"، وشيئاً من "السنن الكبرى للبيهقي"، وسمع "مسند الشافعي"، وغير ذلك من المصنفات الحديثية وهو لا يزال في مقتبل العمر"[12].

قال الذهبي رحمه الله: "الفقيه المفتي المحدث ذي الفضائل عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير البصروي الشافعي، ولد بعد السبعمائة أو فيها وسمع من ابن الشحنة وابن الزراد وطائفة، وله عناية بالرجال والمتون والفقه، خرج وألف وناظر وصنف وفسر وتقدم"[13].

وقال عنه أيضاً: "الإمام الفقيه المحدث البارع عماد الدين درس الفقه وأفتى وتفهم العربية والأصول، ويحفظ جملة صالحة من المتون والرجال وأحوالهم، وله حفظ ومعرفة"[14].

وقال ابن تغري: "الحافظ المفسر المؤرخ المعروف بابن كثير، دأب وحصل وكتب، وبرع في الفقه والتفسير والحديث، وجمع وصنف ودرس وحدث وألف، وكان له إطلاع عظيم في الحديث والتفسير والفقه والعربية وغير ذَلِكَ"[15].

وقال السيوطي رحمه الله: "الإِمَام الْمُحدث الْحَافِظ ذُو الْفَضَائِل، لَهُ التَّفْسِير الَّذِي لم يؤلف على نمطه مثله، الْعُمْدَة فِي علم الحَدِيث معرفَة صَحِيح الحَدِيث وسقيمه وَعلله وَاخْتِلَاف طرقه وَرِجَاله جرحا وتعديلاً"[16].

ومن قرأ في كتب هذا الإمام عرف قدره وعلو مكانته في العلم ورسوخه رحمه الله رحمة واسعة.

شيوخه:

تلقى العلم رحمه الله تعالى على يد ثلة من أهل العلم والتقى منهم:

عيسى المطعم وأحمد بن الشيخة، والقاسم بن عساكر، وابن الشيرازي، وَإِسْحَاق الْآمِدِيّ ، ومحمد بن الزراد، وأجاز له من مصر أبو الفتح الدبوسي، وعلي بن عمر الواني، ويوسف الخنتي وغر واحد واحد، ولازم الحافظ جمال الدين المزي كثيراً، وبه انتفع، وتخرج، وتزوج بابنته، وقرأ أيضاً عَلَى ابن تيمية كثيراً، وسمع منهم ومن غيرهم[17].

مؤلفاته:
ساهم رحمه الله تعالى في خدمة الدين بكتابة كثير من المؤلفات المفيدة التي انتفع بها الناس من هذه الكتب ما يلي:
1- تفسير القرآن العظيم.
2- طبقات الفقهاء.
3- ومناقب الشافعي.
4- البداية والنهاية.
5- اختصار علوم الحديث.
6- التكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل.
7- خرج أحاديث مختصر ابن الحاجب.
8- وَشرع فِي كتاب كَبِير فِي الْأَحْكَام لم يتمه.
9- ورتب مُسْند أَحْمد على الْحُرُوف وَضم إِلَيْهِ زَوَائِد الطَّبَرَانِيّ وَأبي يعلى[18]. وغيرها.

وفاته:
توفي في شهر شعبان من سنة أربع وسبعين وسبعمائة[19]، وَكَانَ قد أضرّ فِي أَوَاخِر عمره[20]، ودفن عند شيخه ابن تيمية في مقبرة الصوفية خارج باب النصر من دمشق[21]، ورثاه بعض طلبته:

لفقدك طلاَّب العلوم تأَسفوا          وجادوا بدمْع لا يبيد غزيرِ
ولو مزجُوا ماء المدامع بالدِّما      لكان قليلاً فيك يا ابن كثيرِ [24]

---------------------

[1] انظر: شذرات الذهب في أخبار من ذهب (1/ 67)، والمنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي (2/414)، والدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة (1/ 445)، وطبقات الحفاظ للسيوطي (ص: 534)، والأعلام للزركلي (1/320).
[2] المصادر السابقة.
[3] المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي (2/ 415).
[4] شذرات الذهب في أخبار من ذهب (1/68).
[5] الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة (1/ 445).
[6] شذرات الذهب في أخبار من ذهب (1/ 67)، والمنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي (2/ 414).
[7] الأعلام للزركلي (1/ 320).
[8] انظر: شذرات الذهب في أخبار من ذهب (1/68).
[9] المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي (2/ 415).
[10] البداية والنهاية (18/ 42).
[11] إنباء الغمر بأبناء العمر (1/ 39)
[12] شذرات الذهب في أخبار من ذهب (1/ 68).
[13] تذكرة الحفاظ، للذهبي (4/ 201).
[14] نقلاً عن المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي (2/ 416).
[15] المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي (2/ 414-415).
[16] طبقات الحفاظ للسيوطي (ص: 534)
[17] المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي (2/ 415)، وانظر: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة (1/445)، وشذرات الذهب في أخبار من ذهب (1/ 68).
[18] انظر: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة (1/445)، والمنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي (2/ 415)، وطبقات الحفاظ للسيوطي (ص:534)، والأعلام للزركلي (1/320-321).
[19] شذرات الذهب في أخبار من ذهب (1/ 68)، والدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة (1/ 446)، وطبقات الحفاظ للسيوطي (ص: 534).
[20] الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة (1/ 446).
[21] شذرات الذهب في أخبار من ذهب (1/ 68).
[22] المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي (2/ 415).
[23] تفسير ابن كثير ت سلامة (1/ 7)، بتصرف يسير.
[24] تفسير ابن كثير (1/ 9).
  

 
1866
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر