الجمعة  
1440/03/08
هـ  
 الموافق:    2018/11/16م    
 
مقالات
   
التربية والسلوك
   
الخواء الأخلاقي
الخواء الأخلاقي

الخُلُق: اسمٌ لسجيَّة الإنسان وطبيعته التي خُلِق عليها، وهي صفةٌ متمكِّنةٌ في النفس، باعثةٌ على عملٍ يُناسِبُها من خيرٍ أو شرٍّ.

* عرَّف بعض الباحثين الأخلاق في الإسلام بأنها عبارة عن «مجموعة المبادئ والقواعد المنظِّمة للسلوك الإنساني التي يُحدِّدُها الوَحْيُ؛ لتنظيم حياة الإنسان، وتحديد علاقته بغيره على نحو يُحقِّقُ الغاية من وجوده في هذا العالم على أكمل وَجْهٍ».

* يُفرِّقُ البعضُ بين الصفات الخُلُقيَّة والغرائز بأن: "الصفات المستقرَّة في النفس ليست كلُّها من قبيل الأخلاق، بل منها غرائزُ ودوافعُ لا صلةَ لها بالخُلُق؛ كالأُبوَّة والبنوَّة والغَيرة، ولكن الذي يفصل الأخلاق ويُميِّزُها عن جنس هذه الصفات كون آثارها في السلوك قابلةً للحمد أو للذَّمِّ، فبذلك يتميَّز الخُلُق عن الغريزة ذات المطالب المكافئة لحاجات الإنسان الفطرية".

تتجلَّى أصالة النظام الأخلاقي في الإسلام في الجوانب التالية:

١- نصوص الوحي المرغِّبة في الأخلاق الحَسَنة، والمرهِّبة من السجايا السيئة؛ قال تعالى: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ [الأعراف: 199]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((وخَالِقِ الناسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ)).

٢ - تَحلِّي القدوة عليه الصلاة والسلام بالأخلاق الفاضلة: "كان خُلُقُه القرآنَ".

٣ - الأمر والإيجاب للالتزام بالخصال الحميدة: ((حَقُّ المسلم على المسلم سِتٌّ...)).

٤ - الربط والتعليق بالفضل الرباني والجزاء الأخروي: ((أقْرَبُكم منِّي منزلةً يوم القيامة أحاسِنُكم أخْلاقًا)).

* برزت مظاهر الانحراف في الواقع الأخلاقي في المجتمع الإسلامي في المجالات التالية:

١ - الانفصام النَّكِد بين الظاهر والباطن والتنظير والتطبيق والتعليم والتربية.

2 - الأحوال والأوضاع المنافية للخُلُق الإسلامي للأفراد والمجتمعات.

3 - تفشِّي مظاهر العُقُوق للوالدين وقطيعة الأرحام والأذى العام.

4 - حالات النزاع والشِّقاق بين الأزواج، والعاملين والمتعاقدين.

5 - تكدُّس القضايا والخُصُومات في المحاكم الشخصية والإدارية والقضائية.

6 - الصَّدُّ عن الإسلام الحق بالظهور المنافي للتعاليم الدينية والأخلاقية.

7- الاهتمام والعناية في التعامُل مع الغريب والبعيد والجَفْوة والقَسْوة في حقوق المعاشر والقريب.

* مشكلة الانحراف الأخلاقي تعود لجملة من العوامل؛ من أهمِّها:

1 - الخَلَل الفكري في تصوير وتصحيح وبيان منزلة الأخلاق من الدين.

2 - تجاهُل التطبيق النبوي لمفهوم التخلُّق والتعامل - في العهد المكي والمدني - مع الأفراد والمجتمعات.

3 - الجهل بالنصوص الداعية لفِقْه التخلُّق بحسب الأحوال والأوضاع والأزمنة والأمكنة.

4 - تحوُّل الأخلاق لمجال المصلحة والنفعيَّة والتصنُّع والتكلُّف والتحصيل والتكسُّب.

5 - تأثُّر المسلمين بالأفكار والتصوُّرات الغربية والشرقية في مجالات الأخلاق والآداب.

6 - اعتبار الواقع الأخلاقي والتطبيق السلوكي للمسلمين، هو حقيقة النظام الأخلاقي الإسلامي.

7 - الغفلة عن الأجور العظيمة والآثار الحميدة للالتزام والامتثال بالأخلاق الحسنة.

* تتمثل الحلول المناسبة لمشكلة الخواء الأخلاقي في الوسائل التالية:

١ - إعادة الأخلاق والآداب لموضعها الطبيعي ومكانتها الصحيحة من الدين.

٢ - التربية السليمة على الأخلاق الظاهرة والباطنة.

٣ - التأسِّي والاقتداء بالهَدْي والسلوك النبوي.

٤ - الدعاء والابتهال للمولى جل وعلا بحُسْن التخلُّق وجميل التعامل: ((اللهم اهدني لأحْسَنِ الأخلاق، لا يهدي لأحْسَنِها إلَّا أنت)).

٥ - نشْر وإشاعة نصوص فضائل الأعمال وآثار الأفعال التعبُّدية الأخلاقية على النفس والكون والأفراد والمجتمعات: ((بينما رجلٌ يمشي بطريق، وجد غُصْنَ شَوْكٍ على الطريق فأخَّرَه، فشَكَرَ اللهُ له، فغَفَرَ له)).

٦ - الوعي بكيفية التعامُل مع الذَّات الإنسانية على اختلاف المذاهب والتوجُّهات والدِّيانات والمذهبيات: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [الممتحنة: 8].

٧ - الترتيب المنطقي والتسلسُل الواقعي للحقوق والواجبات؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، مَنْ أحَقُّ الناس بحُسْنِ صَحابَتي؟ قال: ((أمُّكَ))، قال: ثم مَنْ؟ قال: ((ثم أُمُّكَ))، قال: ثم مَنْ؟ قال: ((ثم أمُّكَ))، قال: ثم مَنْ؟ قال: ((ثم أبُوكَ))؛ رواه البخاري.

٨ - التوازن والتكامل بين كافة الجوانب الإنسانية: النفسية، والجسمية، والرُّوحية، والاجتماعية: ((فإنَّ لجَسَدِكَ عليكَ حقًّا، وإنَّ لعينِكَ عليكَ حقًّا، وإنَّ لزَوْرِكَ عليكَ حقًّا، وإنَّ لزوجِكَ عليكَ حقًّا))؛ رواه البخاري.

٩ - مراعاة الظروف والأحوال والطبائع والخصال؛ عن عائشة: أنَّ رجلًا استأَذَن على النبي صلى الله عليه وسلم، فلمَّا رآه قال: ((بئسَ أخو العشيرة، وبئسَ ابنُ العشيرة))، فلمَّا جلس تَطَلَّقَ النبي صلى الله عليه وسلم في وَجْهِه وانبَسَطَ إليه، فلما انطلقَ الرجلُ، قالتْ له عائشةُ: يا رسول الله، حين رأيْتَ الرجلَ، قلت له: كذا وكذا، ثم تَطَلَّقْتَ في وَجْهِهِ وانبسَطْتَ إليه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا عائشةُ، متى عَهِدْتِني فحَّاشًا، إنَّ شرَّ الناسِ عندَ اللهِ منزلةً يومَ القيامةِ مَنْ تركَهُ الناسُ اتِّقاءَ شرِّهِ))؛ رواه البخاري.

١٠ - التفاؤل واليقين بالقدرة على التغيير والتصحيح والعِزَّة والتمكين: ((واللهِ لَيُتِمَّنَّ هذا الأمرَ، حتى يسيرَ الراكبُ من صَنْعاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ، لا يخافُ إلَّا اللهَ، والذئبَ على غَنَمِه، ولكنَّكُم تستعجلون))؛ رواه البخاري.

١١ - الهمَّة والمجاهدة والعزيمة والإصرار على السموِّ والارتقاء لمعالي الأمور: ((ومَنْ يستعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، ومَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، ومَنْ يتصبَّر يُصبِّره اللهُ، وما أُعطِيَ أحَدٌ عطاءً خيرًا وأوْسَعَ من الصَّبْر))؛ رواه البخاري.

١٢ - توعية العلماء والدُّعاة بالنظرة الشمولية للدين والرؤية التكاملية للشريعة بالرَّبْط بين التصوُّر العَقَدِي والحُكْم التعبُّدي والسلوك الإنساني والنظام الخُلُقي.

* ومضة:
"يجب أن تتضمَّنَ أنظمتُنا الاجتماعية كُلُّها جانبًا ثابتًا محافظًا، يُصانُ عن هوى الناس، وصُروفِ الظروف، وجانبًا ديناميكيًّا، متطوِّرًا، مُتحرِّرًا؛ وبذلك تتحقَّق أحلامُنا في "الاستقرار" و"التغيير" وحاجاتنا إلى "النظام"، و"التقدُّم"...

ولو افترضنا أن الإنسانية سوف تبقى أبدًا، وأنها سوف تُغيِّر ظروفَ حياتها إلى ما لا نهاية، فإننا نُؤمِّل أن تجِدَ في القرآن أنَّى توجَّهْتَ قاعدةً لتنظيم نشاطِها أخلاقيًّا، ووسيلةً لدَفْعِ جهدَها، ورحمةً للضعفاء، ومثلًا أعلى للأقوياء، وأدنى ما يُمكِنُ أن نقولَه في الأخلاق القرآنية أنها تكفي نفسَها بنفسِها على وجْه الإطلاق؛ فهي أخلاق متكاملة"؛ محمد عبدالله دراز.

 
212
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر