الجمعة  
1440/03/08
هـ  
 الموافق:    2018/11/16م    
 
ركن الأسرة
   
مختارات فقهية
   
الحضانة وأحكامها
الحضانة وأحكامها

الحضانة: مشتقَّة من الحِضن، وهو ما بين اليدين من الصدر، وإنما سُميت حضانة لأنَّ الحاضن احتضن المحضون، وضمَّه إليه، ليقوم بما يجب، والحاضنة هي المربِّية، هذا معناها لغةً، وأمَّا معناها شرعاً فهي: حفظ صغير ونحوه عمَّا يضرُّه، وتربيته بعمل مَصالحه البدنيَّة والمعنويَّة.

وقيل: "هي حِفظ مَن لا يستقلُّ بأموره، وتربيته بما يصلحه".

ومقتضى الحضانة: حِفظ المحضون، وإمساكه عمَّا يُؤذيه، وتربيته لينمو، وذلك بعمل ما يُصلِحه، وتعهُّده بطعامه وشرابه، وغسله وغسل ثِيابه، ودهنه، وتعهُّد نومه ويقظته، وتعليمه بما يُناسب عمره.

وحكمها: واجبةٌ في حقِّ الصغير والمعتوه والمجنون، والصغير هنا: هو مَن لم يبلغ، والمعتوه: هو مختلُّ العقل اختلالاً لا يصل إلى حدِّ الجنون، والمجنون: هو مسلوب العقل بالكليَّة.

فالحضانة تجبُ لهؤلاء الثلاثة، وإنما تجب لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أمَرَنا بأمر أبنائنا بالصلاة لسبع سنين، وضربهم عليها لعشرٍ، وما ذلك إلا لتقويمهم وإصلاحهم، وتعويدهم على طاعة الله تعالى، وإذا كنَّا مأمورين بذلك فإنَّا مأمورون بما لا يتمُّ إلا به، والقاعدة المعروفة: "أنَّ ما لا يتمُّ الواجب إلاَّ به فهو واجب"، ولأنَّ تركهم إضاعة لهم، وإلقاء بهم إلى التهلكة، وإذا كان يجبُ على الإنسان أنْ يحفظ ماله، فوجوب حِفظ أولاده من باب أَوْلَى، ومعلومٌ أنَّ حِفظ النفس من الضرورات التي اتَّفقت عليها الشرائع السماويَّة والفِطَر السويَّة.

وقد جاءت شريعتنا الإسلاميَّة بتشريع الحضانة لهؤلاء؛ رحمةً بهم، ورعايةً لشُؤونهم، وإحسانًا إليهم؛ لأنهم لو تُركوا لضاعوا وتضرَّروا، ودِينُنا دِينُ الرحمة والتكافل والمواساة، ينهى عن إضاعتهم، ويوجب كفالتهم، وهي حقٌّ للمحضون على قَرابته، وحقٌّ للحاضن بتولِّي شُؤون قريبه كسائر الولايات.

وهل تجبُ الحضانة على الحاضن إذا لم يُنازِعْه أحدٌ أو لم يوجد حاضنٌ سواه، أو لا تجب عليه، فتنتقل إلى مَن يليه من القرابات إن وُجدوا، ثم الحاكم؟.

على رأيين لأهل العلم، واختار الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - أنها حقٌّ للحاضن وحقٌّ عليه، فإنْ نازَعَه منازعٌ فيها فهي حقٌّ له، وإن لم يُنازِعْه منازعٌ فهي واجبٌ عليه؛ لأنَّ الحاضن لو امتنَعَ من الحضانة وامتنع مَن يليه في الحق فإنَّ الحضانة تصلُ إلى الحاكم، ولربما ضاعَتْ حُقوق المحضون، وصار تحتَ الرعاية العامَّة، والواجب أنْ يكون تحت الرعاية الخاصَّة، ورأيه - رحمه الله تعالى - رأيٌ سديد تتحقَّق به المصلحة للمحضون؛ ولذا فالحضانة واجبةٌ وجوبًا عينيًّا إذا لم يوجد إلا الحاضن، وأمَّا عند تعدُّدِ الحاضنين فإنها حينئذٍ واجبةٌ على الكفاية.

وإن كان الحاضن فقيرًا فله الأجرةُ على كلا القولين، وتكون أجرةُ الحضانة من مال المحضون إنْ كان له مال، وإلا فعلى مَن تجب عليه نفقة المحضون، من عَصَبته وأقاربه الوارثين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ﴾ [البقرة: 233]، وسيردُ الحديث عن النَّفقة في مسائل النفقات - بإذن الله تعالى.

وحضانة الطفل تكونُ للأبوين إذا كان النكاح قائمًا بينهما، فإن افترقا فالحضانة لأمِّ الطفل باتِّفاق، فإذا تزوَّجت الأم انتقلت الحضانة إلى غيرها، وسقط حقُّها فيها؛ لقول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لما جاءته امرأة، فقالت: يا رسول الله، إنَّ ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حِواء، وإنَّ أباه طلَّقني، وأراد أنْ ينزعه مني؟ فقال: ((لأنتِ أحقُّ به ما لم تنكحي))؛ رواه أحمد وأبو داود والحاكم وصحَّحه.

فدلَّ الحديث على أنَّ الأم أحقُّ بحضانة ولدها إذا طلَّقَها أبوه وأراد نَزْعَه منه، وأنها إذا تزوَّجت سقط حقُّها من الحضانة.

قال ابن المنذر: أجمَعَ على هذا كلُّ مَن أحفظُ عنه من أهل العلم.

والقول بسُقوط حقِّها في الحضانة بزَواجها، لا يمنعُ من قِيامها بالحضانة فيما لو لم يُنازِعْها أحد من الحاضنين؛ قال الإمام ابن القيِّم - رحمه الله تعالى -: "وها هنا مسألة ينبغي التنبيهُ عليها، وهي: أنَّا إذا أسقطنا حقَّها مِن الحضانة بالنِّكاح، ونقلناها إلى غيرها، فاتُّفِق أنَّه لم يكن له سِواها، لم يَسقُطْ حقُّها من الحضانة، وهي أحقُّ به من الأجنبي الذي يدفَعُه القاضي إليه، وتربيته في حجر أمِّه أصلحُ مِن تربيته في بيتِ أجنبي محض لا قَرابة بينهما تُوجِب شفقته ورحمته وحُنُوه، ومِنَ المحالِ أن تأتيَ الشريعة بدفع مفسدةٍ بمفسدةٍ أعظمَ منها بكثير، والنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لم يحكُم حكمًا عامًّا كليًّا: أنَّ كلَّ امرأة تزوَّجت سقطت حضانتُها في جميع الأحوال حتى يكونَ إثباتُ الحضانة للأم في هذه الحالة مخالفة للنص"؛ انتهى.

ورُوِي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: طلق عمرُ بنُ الخطاب امرأتَه الأنصاريَّة أمَّ ابنه عاصم، فلقيها تَحمِلُه بمحسر - وهو سوق بين قُباء والمدينة - وقد فُطِمَ ومشى، فأخذ بيده لينتزعه منها، ونازَعَها إيَّاه حتَّى أوجعَ الغلام وبكى، وقال: أنا أحقُّ بابني منكِ، فاختصما إلى أبي بكرٍ، فقضى لها به، وقال: ريحُها وفِراشُها وحجرُهَا خيرٌ له منك حتى يَشِبَّ ويختارَ لنفسه".

وتقديم الأم في حضانة ولدها؛ لأنها أشفقُ عليه وأقرب إليه، ولا يُشاركها في القُرب إلا أبوه، وليس له مثل شَفقتها، ولا يتولَّى الحضانة بنفسه، وإنما يدفعه إلى امرأته، وأمُّه أَوْلَى به من امرأة أبيه.

وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة - رحمه الله -: "الأم أصلح من الأب؛ لأنها أوثق بالصغير، وأخبر بتغذيته وحمله، وتنويمه وتنويله، وأخبر وأرحمُ به؛ فهي أقدر وأخبر وأصبر في هذا الموضع؛ فتعيَّنت في حق الطفل غير المميز بالشرع"؛ انتهى.

وقال الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى -: "والولاية على الطفل نوعان: نوع يُقدَّم فيه الأبُ على الأم ومَن في جهتها، وهي ولاية المال والنكاح، ونوعٌ تُقدَّم فيه الأمُّ على الأب، وهي ولايةُ الحضانة والرضاع، وقُدِّمَ كُلٌّ من الأبوين فيما جعل له من ذلك لتمام مصلحة الولد، وتوقف مصلحته على مَن يَلِي ذلك من أبويه، وتحصل به كفايته، ولما كان النساءُ أعرفَ بالتربية، وأقدرَ عليها، وأصبَر وأرأفَ وأفرغ لها، لذلك قُدِّمَتِ الأم فيها على الأب، ولما كان الرجالُ أقومَ بتحصيل مصلحة الولد والاحتياط له في البُضع - أي: تزويج البنت - قُدِّمَ الأبُ فيها على الأم".

 
143
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر