الجمعة  
1440/02/09
هـ  
 الموافق:    2018/10/19م    
 
شكراً سمر

لطالَمَا كنتُ أحلم بأنْ أكون داعيةً إلى الله، ولو باليسير من العِلم الشَّرْعي، لكن بالكثير مِن حبِّ الله وحبِّ الناس والغَيْرة على شرع الله، كنت مثابرةً في متابعة الدروس والمحاضرات التي توضِّح طرق الدعوة ومفاتيح القلوب، وقرأتُ الكثير عن خُطوات التأثير في الناس لتفتحَ قلوبهم للنصيحة.

كنت قد وضعتُ خُطة للأهداف الدعوية التي سأركِّز عليها، أهداف بسيطة فأنا داعيةٌ مبتدِئة، في يومٍ قررتُ أن أكلمهنَّ عن أمرِ النَّمص، وما أدراك ما النمص؟!.

تقريبًا كل البنات مِن حولي وقعْنَ فيه، غنيمة دعوية ثَمينة، اعتكفتُ على جِهازي، جمعتُ الأحاديث التي تَنهَى عن النَّمْص، استمعتُ إلى دروس ومحاضرات، لخصتها، نظمتها، أمضيتُ ليالي طويلةً وأنا أعدُّ العدة كي أفاتحهنَّ في الأمر، بل إني اتصلتُ على أحد الدعاة "المحترفين" وطلبتُ نصحَه، فنَصحني، ودعا لي بالتوفيق.

اجتمعتُ مع زميلاتي كالعادةِ وبدأتُ أرْمي شِباكي الدعويَّة، بدأ الامتعاض يبدو على وجوههنَّ، ولسان حالهنَّ يقول: "إنَّكِ تُبالغين"، وما بال النَّمص؟ ولماذا تُسمينه: نمصًا، إنَّه حركة تجميليَّة يسيرة، مجرَّد تهذيب خفيف للحواجب، أمِّي كذلك هذَّبت حواجبها... إلخ.

وبدأتْ كلُّ واحدة منهنَّ تبرِّر لنفسها وتفسِّر، تحدَّيتُ نفْسي وقلت: يجب أنْ أحاول معهنَّ الكَرة، لعلَّ الله يشرح صدورهنَّ لسماعي، حاولت.. حاولت.. وحاولت ومضَت سنوات عجافٌ طوال وأنا أحاول سُدًى إقناع البنات مِن حولي بترْك النمص، لكن دون جَدْوَى، كان ذلك أوَّل تحدٍّ أفشل فيه، وأوَّل هدف رسمتُه ولم أحققه، بل إنَّه كان الصخرةَ التي تكسَّرتْ عليها أحلامي الدعويَّة، فقد فقدتُ الثقة في نفْسي، ولم أعد أشعُر بأنَّ لي ذاك التأثير والقَبول مِن قبل زَميلاتي.

ربَّما كنت ضعيفة، وكنتُ بطبعي لا أحبُّ الفشل، اعتزلتُ الدعوة، لولا أنْ ثبَّتني الله.

ومرَّتِ الأيام سريعًا، وتخرجْنا مِن الجامعة، وافترقتْ بنا السُّبل، البنات منهنَّ مَن تزوَّج، ومنهنَّ من وجدت وظيفةً، ومنهنَّ مَن تواصل دراستها، وكان الميعاد إحدى حفلات الزفاف العائلية، لقد التقيتُ مع بعضٍ من زميلاتي هناك، وقت طويل مضَى ولم نلتقِ.

فرحة اللقاء.. حنين إلى أياَّم الشباب! هنَّ كما عرفتهنَّ، لم يتغيرنَ كثيرًا، نفس الضحِكات ونفس الحرَكات، لكن عفوًا! هناك شيءٌ تغيَّر، نعمْ هناك شيءٌ تغيَّر، سبحان الله! كنت أنظر إليهنَّ بتمعُّن وأكاد أكذب نفْسي، نعمْ، صحيح، لست مخطئة، زميلاتي تركْنَ النَّمْص! بعد كلِّ هذه السنين! الحمد الله، جُهودي لم تذهب سدًى وآتَتْ أُكلها ولو بعد حين، فرحتُ كثيرًا.

قلت لها: أنت تزدادين جمالاً يومًا بعدَ يوم، وأنت أحلَى وأجمل بدون نمص؛ كيف هداك الله لهذا؟! مَن هي الأختُ الداعية التي أقنعتْكِ حين فشِلتُ أنا في ذلك؟ فأجابتني أنَّها سمَر، سمر؟! مَن سمر؟ رُحت أبحثُ في ذاكرتي علَّني أسْتذكر الأخت سمر؟ هل كانت تُصلِّي معنا في المسجد؟ أم هل كانت معنا في الجامِعة؟ نسيت بالضبط مَن تكون، هل تراها إحدى الداعيات على الفضائيَّات الإسلامية؟ أم تراها عرفتْها عن طريقِ (الإنترنيت)؟.

تشوقَّتُ إلى معرفة الأخت سمر، كم أودُّ أن تُحدِّثني كيف نجحتْ في إقناعهن بترْك النمص؟! كم أودُّ أن تدلني على المراجِع والكُتُب الدعوية التي استعملتْها، أو على الأقل على المحاضرات التي استلهمتْ منها أسلوبَ الدعوة إلى ترْك النمص؟ ما أعظمَ أجرَها! هنيئًا لها بجبالٍ مِن الحسنات، لقدْ كانت أفضلَ منِّي ونجحت في إقناعهن، الأكيد أنَّها كانت صادقةً أكثر منِّي مع الله؛ لهذا نالت توفيقه وجعَل الله لها القَبول، أكيد أنَّها كانت تعملُ في الدعوة خالصةً لوجه الله، وربَّما قدْ ساورني بعضُ الرِّياء فحبِط عملي في الدعوة ولم أُوفَّق، جزاها الله خيرًا.

حقيقة شُكرًا سمر، شكرًا جزيلاً لك، دعوتُ لها مِن كل قلبي وعزمتُ الأمر على أنْ أتعلَّم الدعوة على يديها، سأبحث عن الأختِ سمَر، سألت صَديقتي، أين سمعتِ الأخت سمر؟ قالت لي في التلفزيون، آه ما شاءَ الله، الأكيد أنَّ للأختِ سمر الكثيرَ مِن المتابِعات اللاتي فتَح الله على قلوبهنَّ بسببها، ما اسمُ البرنامج؟ سوف أبْحَث عن حلقاته في (الإنترنت) وأستمِع إليه، ما اسم البرنامج؟ أجابتْني: اسمه "العشق الممنوع"! كيف؟ برنامج دَعوي إسلامي اسمه: "العشق الممنوع"، استغربتُ، طلبتُ التوضيح، ابتسمتْ صديقتي وقالت: إنَّه مسلسل تُركي اسمه العشق الممنوع، مُسلسل تُرْكي؟! وما دخل الداعية سَمَر في المسلسل التركي؟.

- ههههههههه!! لا هي ليستْ داعية كما تظنين، هي بطلة المسلسل!

- كيف يعني؟!

- الموضة التي جاءتْ بها سمر هذا العام هي تَرْك الحواجب على طَبيعتها، نتْف الحواجب هو إحدى صَرَعات التجميل هذا العام، وقد كانتْ سمر لا تَنتف حواجبَها!

حدقتُ في وجهِ صَديقتي، ثم انتقلتُ ببصري في وجوهِ بقيَّة المدعوات في الحفْل، صحيح أغلبهنَّ لم تهذِّب الحواجب كالعادة، أإلى هذا الحدِّ يصل تأثيرُ المسلسلات على العباد؟!

مسلسل يشرع للعَلاقات المحرَّمة، فيه العُري والتبرُّج والسفور، وفيه شُرب الخمور، ينجح في إقناع آلاف النِّساء بترك النَّمص في فترة وجيزة، في حين فشِل كبار الدُّعاة والمشايخ في ذلك بالرغم مما عندَهم من أدلَّة شرعيَّة.

كيف هذا؟! أإذا أمرَنا الرسولُ - عليه الصلاة والسلام - بتَرْك النمص، امتنعتُن، وإذا أشارتْ عليكنَّ "سمر" بنفس الأمْر أطعتُن وسلَّمتن؟!

هل تعلَّمتْ سمر فنونَ الدعوة إلى الله؟ هل قرأتْ مِثلي الكتُب الدعوية؟ هل جمعتِ الدروس العلميَّة الشرعيَّة؟ هل تضرَّعت إلى الله أن يَفتحَ على يَديها القلوب؟ هل حفظتِ الآيات والأحاديث الدامِغة لتُقنعَ بها آخرين؟ ماذا تراها فعَلَتْ؟

إذا كنتُ أنا داعية فاشلة، فأجيبوني مَن تكون سَمر؟!.

 
55
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر