الجمعة  
1440/03/08
هـ  
 الموافق:    2018/11/16م    
 
مقالات
   
تزكية النفوس
   
الإيمان راحة وواحة
الإيمان راحة وواحة

خلق الله الإنسان وهو أعلم بطبيعته البشرية، وما يصونها ويصلحها فاختار له الإيمان ليحفظ عليه نفسه في توازن تام، ويقيها من الاضطرابات الداخلية، والصراعات النفسية، والفراغات الروحية.

فلا نعدو الحقيقة حين نقول إن الإيمان شفاء للنفوس من الأسقام، وقوام للأبدان، ودواء للقلوب من الوهن والعقول من الأوهام، فهو للنفس غذاء وشفاء ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴾.

ونظرة مقارنة بين حال الناس قبل الإسلام وبعده تنبيك عن مدى التأثير الفائق الذي أحدثه في النفوس فغيَّرها، وفي الأخلاق فهذَّبها، وفي الطباع فقوَّمها، وفي العقول فنوَّرها، وفي الطاقات فأشعلها، وفي الأجيال فأدبَها وربَّاها.

لقد نقل الإيمان بالله البشرية برمّتها إلى آفاق أرحب غيرت مجرى التاريخ؛ فربى رجالًا، وصنع أبطالًا هم النجوم في سماء العالم، عنهم تؤخذ أرفع أساليب التربية وأعظم نظم التشريع.

فما الإيمان؟.. إنه الخلود الدائم فلا موت، والنعيم الخالد فلا فوت، وجنة عرضها السماوات والأرض، إنه حقيقة عميقة تصلح مع نواميس الكون وقواه، وتسخرها لصالح المؤمن في هذه الحياة.

واحة تفيء إليها أفئدة الراغبين فتزودهم بصفاء روحي دفين، ويستظل بظلها الخائفون فتمدهم بهدوء الأعصاب وبهجة القلب وراحة البال، فترتوي الروح بحياة الإيمان النقية، وتنهل من نبعها الصافي، فتعود وقد ملئت نورًا، وازدادت القلوب جلالاً، والنفوس أنسًا وجمالًا.

ولا يظن ظان أن هذا النعيم هراء، أو يحسبها معانٍ جوفاء، فالمحروم من طُرِد عنها، والموفق من دلَّه الله عليها، وأخذ بيده إليها.

إن المخاوف التي تحيط بالإنسان كثيرة لا تحصى، خوف من المستقبل، خوف من المصير، ومن كوارث الحياة ومن الأمراض، حتى أصبح الخوف هاجسًا لا يكاد يبرح الإنسان، فلم يتركه الله عز وجل يهيم هكذا دون أن يهدئ من روعه ويكفل له ما يريحه، ويؤمّنه من الأخطار، فاعتنى به وأحاطه برعايته، وكلأه بعنايته، وطمأنه على حاضر أمره ومستقبله ولم يكلفه فوق طاقته، حتى ينطلق في الحياة بلا حدود أو قيود، فأنزل له من التشريع ما لو اتبعه لأمن به في الدارين.

فالقلق النفسي والاضطراب الروحي والتوتر العصبي لا يعرف للمؤمن سبيلًا.

إن لذة الإيمان ونعيمه أمر لا تصوره حقيقة الكلمات، وتزيين العبارات ونظم الأبيات، فالكلمات مهما ارتقت لا تنقل المدلول الحقيقي لهذه المعاينة الروحية؛ إنما يدركه فقط من عايشه وعرف حقيقته وذاق حلاوته.

إن قوى الأرض كلها لا يمكن أن تتخطفك وأنت في حمى الله، ولا تملك أن تنصرك إذا خذلك الله، فالإيمان موصول بالقوة ومقترن بالعزة: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ﴾.

إن الإيمان الذي ننشده هو الذي يتعمق في القلوب فتطمئن به، ويتوغل في النفوس فتهش إليه، ويتغلغل في العقول فتستقر معه، وتنبثق عنه الأعمال الصالحة كدليل عليه.

إيمان يطلق النفس من كل قيد مادي، ويحررها من سلطان الشهوة، وتبعية الهوى، ويخرجها من عبادة الإنسان إلى عبادة رب الإنسان، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.

فهو حائل بين التفاني في المطالب الجسدية والتهالك عليها والتوغل في لذائذها، فتسمو روحه إلى الملأ الأعلى، ويصفو عيشه، ويتحقق استقراره وأمنه.

فالدنيا ليست كل المقصود في نظره، ولا مبلغ علمه، ولا منتهى أمله.

وحين تضطرب أنظمة الأمم وتتباين فيها الآراء يتدخل الإيمان ليهدي المجتمع من القلاقل والفتن، ويدفع عنه الأزمات، ويقضي على المشكلات التي تعتريه.

ففي الإيمان حلٌّ لكل أمر، وخروجٌ من كل أزمة، ودفعٌ لكل كارثة، فهو يحقق للنفس النفعَ ويدفع عن الغير الضر.

إن المؤمن بالله إيمانًا يقينيًّا، صابرٌ محتسب، صابرٌ على نفسه أن تتهالك حول شهواتها ورغائبها، صابرٌ على الناس نقصهم وضعف بشريتهم، وسوء تصورهم، وانحراف طبيعتهم، صابرٌ على انتعاش الباطل، وغلبة الشر ووقاحة الطغيان، صابرٌ على قلة النصير وضعف المعين، وطول الشُقَّة، ووعورة الطريق.

حين تمر أحداث الدنيا عليه، يعرضها على قلبه، ويدرك حكمة الله فيها، فيزداد ارتباطا به سبحانه، فلا تمر عليه كما تمر على الجمادات، فيتحمل ما ينزل في نفسه برباطة جأش وثبات عزم، في حين يتسخَّط غيره ويجزع، فهو يعلم أن السخط لا يدفع النازلة بل يزيد من وقعها ألمًا نفسيًّا، وغضبًا لربه، وبطلانًا لعمله، وتبقى النازلة عليه، فالإيمان إذا وقر في القلب خفَّف المُصاب، وسهَّل الصعاب.

ألا إن قومًا ملأ الإيمان أفئدتهم لمفلحون، وإن قومًا انصرفوا عن هذه اللذة الروحية لمحرومون.

 
76
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر