الخميس  
1441/04/08
هـ  
 الموافق:    2019/12/05م    
 
نتاج المشرف العام
   
بحوث
   
فوائد من كتب
   
فوائد من رسالة " فضل علم السلف " لابن رجب
فوائد من رسالة " فضل علم السلف " لابن رجب

 

1- ذكر الله تعالى في كتابه العلم تارة في مقام المدح وهو العلم النافع.

وتارة في مقام الذم وهو العلم الذي لا ينفع.

فأما الأول فمثل قوله تعالى ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) وقوله ( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط ) وقوله ( وقل رب زدني علما ) وقوله ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) .

وقد أخبر عن قوم أنهم أوتوا علما ولم ينفعهم علمهم.

فهذا علم نافع في نفسه لكن صاحبه لم ينتفع به.

قال تعالى ( مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا ) .

وقال ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه ) .

2- ولذلك جاءت السنة بتقسيم العلم إلى نافع وإلى غير نافع ، والاستعاذة من العلم الذي لا ينفع ، وسؤال العلم النافع .

ففي صحيح مسلم عن زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعوة لا يستجاب لها .

3- الحرص على التوسط في العلوم ، ومنها النحو .

قال المؤلف : ولهذا يقال إن العربية في الكلام كالملح في الطعام يعني أنه يؤخذ منها ما يصلح الكلام كما يؤخذ من الملح ما يصلح الطعام وما زاد على ذلك فإنه يفسده .

3- وأما ما أحدث بعد الصحابة من العلوم التي توسع فيها أهلها وسموها علوما وظنوا أن من لم يكن عالما بها فهو جاهل أو ضال فكلها بدعة وهي من محدثات الأمور المنهي عنها.

فمن ذلك ما أحدثته المعتزلة من الكلام في القدر وضرب الأمثال لله.

4- ومن ذلك أعني محدثات العلوم ما أحدثه فقهاء أهل الرأي من ضوابط وقواعد عقلية ورد فروع الفقه إليها.

وسواء أخالفت السنن أم وافقتها طردا لتلك القواعد المقررة وإن كان أصلها مما تأولوه على نصوص الكتاب والسنة لكن بتأويلات يخالفهم غيرهم فيها .

وهذا هو الذي أنكره أئمة الإسلام على من أنكروه من فقهاء أهل الرأي بالحجاز والعراق ، وبالغوا في ذمه وإنكاره.

4- فأما الأئمة وفقهاء أهل الحديث فإنهم يتبعون الحديث الصحيح حيث كان إذا كان معمولا به عند الصحابة ومن بعدهم ، أو عند طائفة منهم .

فأما ما اتفق على تركه فلا يجوز العمل به لأنهم ما تركوه إلا على علم أنه لا يعمل به .

قال عمر بن عبد العزيز : خذوا من الرأي ما يوافق من كان قبلكم فإنهم كانوا أعلم منكم.

ومما أنكره أئمة السلف الجدال والخصام والمراء في مسائل الحلال والحرام أيضا ولم يكن ذلك طريقة أئمة الإسلام .

- قيل لمالك : الرجل يكون عالما بالسنن يجادل عنها ؟

قال : لا ولكن يخبر بالسنة فان قبل منه وإلا سكت .

وقال : المراء والجدال في العلم يذهب بنور العلم .

وقال : المراء في العلم يقسي القلب ويورث الضعن .

وكان يقول في المسائل التي يسئل عنها كثيرا " لا أدري " .

وكان الإمام أحمد يسلك سبيله في ذلك.

وقد ورد النهي عن كثرة المسائل وعن أغلوطات المسائل وعن المسائل قبل وقوع الحوادث وفي ذلك ما يطول ذكره .

ومع هذا ففي كلام السلف والأئمة كمالك والشافعي وأحمد وإسحاق التنبيه على مأخذ الفقه ومدارك الأحكام بكلام وجيز مختصر يفهم به المقصود من غير إطالة ولا إسهاب .

وفي كلامهم من رد الأقوال المخالفة للسنة بألطف إشارة وأحسن عبارة .

6- ما سكت من سكت من كثرة الخصام والجدال من سلف الأمة جهلا ولا عجزا ولكن سكتوا عن علم وخشية لله.

وما تكلم من تكلم وتوسع من توسع بعدهم لاختصاصه بعلم دونهم ولكن حبا للكلام وقلة ورع كما قال الحسن وسمع قوما يتجادلون : هؤلاء قوم ملوا العبادة وخف عليهم القول وقل ورعهم فتكلموا.

6 - وكان عمر بن عبد العزيز يقول : إذا سمعت المراء فاقصر .

وقال : من جعل دينه عرضا للخصومات أكثر الثقل .

وقال : إن السابقين عن علم وقفوا وببصرنا قد كفوا وكانوا هم أقوى على البحث لو بحثوا .

وكلام السلف في هذا المعنى كثير جدا.

6- انظر إلى أكابر الصحابة وعلمائهم كأبي بكر وعمر وعلي ومعاذ وابن مسعود وزيد بن ثابت كيف كانوا.

كلامهم أقل من كلام ابن عباس وهم أعلم منه .

وكذلك كلام التابعين أكثر من كلام الصحابة والصحابة أعلم منهم .

وكذلك تابعوا التابعين كلامهم أكثر من كلام التابعين والتابعون أعلم منهم.

6 - فليس العلم بكثرة الرواية ولا بكثرة المقال ولكنه نور يقذف في القلب يفهم به العبد الحق ويميز به بينه وبين الباطل ويعبر عن ذلك بعبارات وجيزة محصلة للمقاصد.

6 - فأفضل العلوم في تفسير القرآن ومعاني الحديث والكلام في الحلال والحرام ما كان مأثورا عن الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى أن ينتهي إلى أئمة الإسلام المشهورين المقتدى بهم .

6 - وفي زماننا يتعين كتابة كلام أئمة السلف المقتدى بهم إلى زمن الشافعي وأحمد وإسحاق .

وليكن الإنسان على حذر مما حدث بعدهم فإنه حدث بعدهم حوادث كثيرة وحدث من انتسب إلى متابعة السنة والحديث من الظاهرية ونحوهم وهو أشد مخالفة لها لشذوذه عن الأئمة وانفراده عنهم بفهم يفهمه أو يأخذ مالم يأخذ به الأئمة من قبله.

6- فالعلم النافع من هذه العلوم كلها ضبط نصوص الكتاب والسنة وفهم معانيها والتقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم في معاني القرآن والحديث.

وفيما ورد عنهم من الكلام في مسائل الحلال والحرام والزهد والرقائق والمعارف وغير ذلك .

والاجتهاد على تمييز صحيحه من سقيمه أولا ، ثم الاجتهاد على الوقوف في معانيه وتفهمه ثانيا. وفي ذلك كفاية لمن عقل وشغل لمن بالعلم النافع عني واشتغل.

7- العلم النافع يدل على أمرين :

أحدهما : على معرفة الله وما يستحقه من الأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال الباهرة.

وذلك يستلزم إجلاله وإعظامه وخشيته ومهابته ومحبته ورجاءه والتوكل عليه والرضى بقضائه والصبر على بلائه .

الثاني : المعرفة بما يحبه ويرضاه وما يكرهه ويسخطه من الاعتقادات والأعمال الظاهرة والباطنة والأقوال فيوجب ذلك لمن علمه المسارعة إلى ما فيه محبة الله ورضاه والتباعد عما يكرهه ويسخطه .

فإذا أثمر العلم لصاحبه هذا فهو علم نافع فمتى كان العلم نافعا ووقر في القلب فقد خشع القلب لله وانكسر له ، وذل هيبة وإجلالا وخشية ومحبة وتعظيما.

ومتى خشع القبل لله وذل وانكسر له قنعت النفس بيسير الحلال من الدنيا وشبعت به فأوجب لها ذلك القناعة والزهد في الدنيا.

8- فالشأن في أن العبد يكون بينه وبين ربه معرفة خاصة بقلبه بحيث يجده قريبا منه يستأنس به في خلوته ويجد حلاوة ذكره ودعائه ومناجاته ، ولا يجد ذلك إلا من أطاعه في سره وعلانيته.

كما قيل لوهيب بن الورد " يجد حلاوة الطاعة من عصى " ؟ قال : لا ولا من همّ .

ومتى وجد العبد هذا فقد عرف ربه وصار بينه وبينه معرفة خاصة فإذا سأله أعطاه ، وإذا دعاه أجابه ، وهذا هو المشار إليه في وصية ابن عباس بقوله صلى الله عليه وسلم : تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة .

8- قال الحسن : إنما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة البصير بدينه المواظب على عبادة ربه .

8- ومن علامات العلم النافع ، أنه يدل صاحبه على الهرب من الدنيا وأعظمها الرئاسة والشهرة والمدح فالتباعد عن ذلك والاجتهاد في مجانبته من علامات العلم النافع.

فإذا وقع شيء من ذلك من غير قصد واختيار كان صاحبه في خوف شديد من عاقبته بحيث أنه يخشى أن يكون مكرا واستدراجا ، كما كان الإمام أحمد يخاف ذلك على نفسه عند اشتهار اسمه وبعد صيته.

9- فمن عرف قدر السلف عرف أن سكوتهم عما سكتوا عنه من ضروب الكلام وكثرة الجدال والخصام والزيادة في البيان على مقدار الحاجة لم يكن عيا ولا جهلا ولا قصورا وإنما كان ورعا وخشية لله واشتغالا عما لا ينفع بما ينفع.

10- ليتدبر المرء ما ذم الله به أهل الكتاب من قسوة القلوب بعد إيتائهم الكتاب ومشاهدتهم الآيات كإحياء القتيل المضروب ببعض البقرة .

ثم نهينا عن التشبه بهم في ذلك. فقيل لنا ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون ) .

وبين في موضع أخر سبب قسوة قلوبهم ، فقال سبحانه ( فبما نقضهم ميثاقهم وجعلنا قلوبهم قاسية ) .

فأخبر أن قسوة قلوبهم كان عقوبة لهم على نقضهم ميثاق الله وهو مخالفتهم لأمره وارتكابهم لنهيه بعد أن أخذ عليهم مواثيق الله وعهوده أن لا يفعلوا ذلك ثم قال تعالى ( يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ) .

فذكر أن قسوة قلوبهم أوجبت لهم خصلتين مذمومتين :

إحداهما : تحريف الكلم من بعد مواضعه .

والثانية : نسيانهم حظا مما ذكروا به.

والمراد تركهم وإهمالهم نصيبا مما ذكروا به من الحكمة ، والموعظة الحسنة ، فنسوا ذلك وتركوا العمل به وأهملوه.

وهذان الأمران موجودان في الذين فسدوا من علمائنا لمشابهتهم لأهل الكتاب .

أحدهما : التحريف ، فإن من تفقه لغير العمل يقسو قلبه فلا يشتغل بالعمل بل بتحريف الكلم وصرف ألفاظ الكتاب والسنة عن مواضعها.

والتلطف في ذلك بأنواع الحيل اللطيفة من حملها على مجازات اللغة المستبعدة ونحو ذلك.

والثاني : الطعن في ألفاظ السنن حيث لم يمكنهم الطعن في ألفاظ الكتاب ، ويذمون من تمسك بالنصوص وأجراها على ما يُفهم منها .

 

تمت بحمد الله في ظهر السبت 8 - 8 - 1440 هـ في جلسة واحدة .

 

 

 
2037
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر