الرئيسة نتاج المشرف العام توجيهاتإلى طلبة العلم مواطن القدوة في شخصية البخاري
 مواطن القدوة في شخصية البخاري
10 ذو القعدة 1437هـ

الذي ينظر في حياة علماء السلف يجد العجب في تنوع التميز في حياتهم العلمية والعملية، وسوف نأخذ رمزاً من علماء السلف ونتأمل في ملامح من شخصيته وبعض مواطن القدوة في حياته رحمه الله تعالى .

إنه الإمام محمد بن إسماعيل البخاري صاحب الصحيح المشهور .

وهنا لن أتحدث عن ترجمته وتفاصيل ذلك ولكن سأدلف مباشرة لجوانب القدوة في حياته العلمية والعملية .

أولاً : الترتيب والتدقيق :
حينما نتحدث عن كتاب البخاري مثلاً فقد جلس في تصنيفه ستة عشر عاماً ووراء ذلك مبدأ مهم وهو التنظيم لتلك الأوراق .
فكيف كان يضعها وأين ، ولماذا لم تختلف ورقة مع أخرى ؟.
إننا نتحدث عن زمن المخطوطات وعشرات الآلاف من الأحاديث .

إن ذلك الزمن ليس زمن الحاسوب ولا الجوالات ولا سيديات وبرامج حفظ النصوص .
وهذا التنظيم بارز وينطبق على كل العلماء السابقين .

فيا ترى هل نجد في زمننا هذا التنظيم في برامج طلاب العلم في مقروءاتهم وبحوثهم وأهدافهم ؟ أم أن الفوضوية هي السمة الغالبة على البعض .

ثانياً : الارتباط بالعبادة مع العلم .
وهذا ظاهر في قول البخاري : " ما كتبتُ حديثاً إلا توضأتُ وصليتُ ركعتين ".
إننا نتحدث عن نحو ٧٥٠٠ حديث، فلو قلنا أن مع كل حديث ركعتان فإن الناتج سيكون نحو ١٥ ألف ركعة عاشت مع البخاري في صحيحه . يالله العجب .!!

إن هذا الارتباط قد يغيب عند بعض طلاب العلم .
فقد يقرأ بعضنا عشرات الكتب وهو تارك لقيام الليل وسنة الضحى، والرواتب القبلية والبعدية .

وقد يبدأ في رسالة الماجستير والدكتوراه ويسهر ويسافر ولكنه لا يذكر أنه في أثناء ذلك صلى عدة ركعات لعل الله أن ييسر له أمره .

إننا نتحدث عن مشكلة كبيرة وهي ضعف جانب التعبد في مسيرة بعض طلاب العلم، ولذا لا نستغرب من الجفاف الروحاني لدى البعض وأيضاً لا نستغرب من الفتور الذي ظهر ولا يزال يظهر على بعض طلاب العلم .

إن العلم والعبادة قرينان لا ينفكان وهما من أسرار التوفيق والتأثير في المجتمعات .
فيا طالب العلم راجع نفسك ، كيف أنت مع الجوانب التعبدية ؟.

ثالثاً : الهمة العالية .
وهي صفة رائدة لدى كثير من العلماء، ولكن بما أن الحديث عن البخاري فتأمل بعض الجوانب من همته :

١- ربما استيقظ في الليلة الواحدة عشرين مرة لكتابة فائدة سنحت له .
وفي زمننا يسهر بعض طلاب العلم على الجوال لساعات متأخرة يلاحق التغريدات والسنابات والصور، فهل مثل هذا سيحصل علماً كما حصله البخاري .

٢- بدأ البخاري بالتصنيف وعمره ١٨ عاماً، وكتب التاريخ الكبير عند القبر النبوي على الليالي المقمرة .
وهنا أقول: لعل بعض طلاب العلم لا يجيد كتابة مقال علمي متين .
ولعله لا يقدر إلا على بحوث الجامعة؛ لأن هناك شهادة سوف يحصل عليها .. أما أن يبادر لكتابة بحثٍ علميٍ ينفع به الأمة فلا .

٣- قوة الحفظ لدى البخاري حيث إنها أصبحت إحدى العلامات الفارقة فيه .
ومما قاله عن نفسه : أحفظ مائة ألف حديث صحيح ومائتي ألف حديث ضعيف .
إنها مئات الأسانيد التي امتلأت بالرجال .

ولعل البعض من طلاب العلم قد أهمل الحفظ حتى إنه ربما لا يحفظ عشرين حديثاً بإتقان .

وهذا كله نتيجة الكسل وضعف الهمة ، وإلا فلو بذل الواحد منا جهده وسعى للكمال لحفظ كما حفظ بعض الشباب المعاصرين مئات الأحاديث وبعضهم أنهى الصحيحين بتوفيق الله ثم بهمته العلية التي تشابه همم السلف .

رابعاً : الرحلات العلمية .
إن الرحلة في طلب العلم سنةٌ قديمة ولقد رحل العشرات من علماء السلف لأجل العلم ، حتى كتب فيهم الخطيب البغدادي مصنفاً لطيفاً ذكر فيه بعض القصص في ذلك .

وأما البخاري فقد رحل من بخارى وتقع شمال إيران إلى نيسابور ، بغداد ، البصرة ، مكة ، دمشق ،، وروى عن ألف شيخ .

وحينما تتأمل بخيالك تفاصيل تلك الرحلات، فما هي الوسيلة للسفر وكيف هي الخدمات، وكيف أمن الطريق، ولا تسأل عن الحر والبرد والميزانية المالية وغير ذلك.

إن هذا وغيره مما يأخذ بعقلك وقلبك لاستشعار عظيم الإخلاص الذي عاش في قلوب أولئك الأخيار، وللتضحية التي قدموها لأجل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وانظر للبركة التي أنزلها الله بمؤلفاتهم وعلومهم حتى وإن كانت وسائل الطباعة والنشر في غاية الضعف ولكن الله إذا بارك فليس لبركته نهاية .

ثم تعال لبعض طلاب العلم في زمننا، وأخاطبك يا قارئ هذه الأسطر : متى سافرت لبلد قريب أو بعيد لأجل اللقاء بذلك العالم والاستفادة منه ؟.
لماذا لا تعزم على تخصيص أسبوع في كل ستة أشهر للسفر لأحد العلماء للاستفادة منه ؟.

إنني أقرأ أفكارك التي تنتقد هذه الأسطر ، ولكن لا بأس .

إن الأسفار العلمية تصقل شخصيتك وتزيد من رسوخك العلمي، وتعرفك بالمذاهب، وتبصرك بفنون التعليم، وتشاهد في أسفارك علو الهمم لدى البعض مما سيدفعك بلا شك للتنافس الشريف في العلم .

ختاما:ً هذه بعض التأملات اليسيرة في حياة الإمام البخاري رحمه الله تعالى، آمل أن تكون نبراساً لي ولك يا طالب العلم .

عدد الزوار 2094
 
روابط ذات صلة