الرئيسة نتاج المشرف العام منبر الجمعةمعالم في الفتن
 معالم في الفتن
2 ربيع الآخر 1438هـ

الحمد لله الذي يقدر ما يشاء ويحكم ما يريد .
الحمد لله الذي قدر البلاء في حياة المؤمنين .
( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ )[محمد:31] .

والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي عاش أنواعاً من الفتن والمحن فمازادته إلا ثباتاً واجتهاداً في التمسك بالدين . أما بعد ..

في زحمة الحياة تتجدد الفتن على المسلمين من هنا وهناك ، ويصاب المسلمون بأنواع من الهموم بسبب توالي الفتن .

في ذلك البلد قتل وتهجير ، وفي البلد الآخر قنابل وتفجير، يُحارِبون المسلمين ويقتلونهم شر قتلة، يطردونهم من بلادهم وينهبون أموالهم وثرواتهم .

وصدق الله ( وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا )[البقرة:217].

عباد الله ..
إننا بحاجة لمعرفة المنهج الشرعي في التعامل مع الفتن والمحن التي تجري في هذا الزمن .
فإليكم بعض الهمسات والفنون في التعامل مع الفتن :

الهمسة الأولى :
من المتقرر في النصوص النبوية أنه في كل عام تزداد الفتن وتتسعُ دائرةُ الأزمات , كما في الحديث الصحيح ( لايأتي زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم ) رواه البخاري عن أنس .

والواقع شاهد على هذا الحديث ، والذي يتابع أحوال العالم الإسلامي يجد الشرور التي تتجدد في كل عام على المسلمين من القتل والتعذيب وأنوع أخرى من الابتلاءات .

الهمسة الثانية :
عند اشتدادِ الفتن ينبغي الفرارُ إلى الله تعالى والتقربِ إليه , كما قال تعالى: ( فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ )[الذاريات:50] .
وفي صحيح مسلم يقول صلى الله عليه وسلم : ( العبادةُ في الفتن كهجرة إلي ).

ومعنى الحديث : أن الذي يلازمُ العبادة بكافةِ صورها من صلاة وقران وصيام وقيام وغيرها في أوقات الفتن كأنه قد هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم .

وهذا المعنى يغيبُ عند بعض الناس , فتجده عند الفتن منهمكاً في متابعة الأحداثِ لحظةً بلحظة , غائباً عن عبادة ربه , والقليلُ من يجمعُ بين إدراك الواقع وتحقيقِ الفرار إلى الله تعالى .

الهمسة الثالثة :
المفزعُ عند الشدائدِ إلى الله تعالى؛ لأنه وحده القادر على رفع الضرر عن المسلمين وهو القوي الذي يقوى على تدمير جيوش الكفر والطغيان الذين عاثوا في الأرض فساداً .

لذا يجبُ أن نتربى نحنُ  ونربي المجتمع على تحقيقِ " التعلقِ بالله تعالى " وتفويضِ الأمورِ إليه والتوكلِ عليه والثقةِ بأنه قريب من عباده , كما قال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ )[البقرة:186].

الهمسة الرابعة :
الثقةُ بأن أقدارَ الله كلها خير , مهما ظهر لنا خلاف ذلك , كما قال تعالى: ( لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ )[النور:11].

وقال تبارك وتعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ)[البقرة:216] .
وفي الحديث الصحيح ( والشرُ ليس إليك ) رواه مسلم .

فهذا الواقع الذي نتألم لتفاصيله وما يجري فيه من اضطهاد للمسلمين وإضاعةِ حقوقِهم والاعتداءُ على الصالحين منهم ، كل ذلك وغيره لم ولن يخرج عن تقدير الله تعالى وعلمه وحكمته , وتدبر قوله تعالى ( أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ )[التين:8].

ونحن عندما نتأمل اسمَ ( الحكيم ) الذي تكرر كثيراً في القرآن ، لابد أن نتعبد لله تعالى بموجب هذا الاسم فنوقن بأن الله حكيمٌ في تقديرِ كل مايجري .

الهمسةُ الخامسة :
ضبطُ القرارات التي نصدرها وقت الفتن بقاعدةِ المصالح والمفاسد؛ لأن الشريعة جاءت بتحصيلِ المصالحِ وتكميلها ودرءِ المفاسدِ وتقليلها .

والنظر لها يجبُ أن لايكون شخصياً من طرف واحد يرى الواقع من رؤيته الخاصة التي قد تصيب وقد تخطئ .
بل يكون النظرُ للمصالح من مجموعةِ علماء يعرفون شريعة الله تعالى ويدركون الواقع ويعرفون مايجري فيه .

الهمسة السادسة :
اليقينُ الكامل بأن المستقبل لهذا الدين وأن النصر آت ولو بعد حين ، كما قال تعالى: ( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ )[الصافات:171-173].

وقال جل وعلا: ( أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ )[البقرة:214] .

وتأمل في حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وما جرى لهم ، ثم انظر في نهاية المعاناة التي كانت لهم وللفئة المؤمنة التي معهم .

فانظر في قصة نوح عليه الصلاة والسلام , وكيف واجه قومه ، ثم رفضوه ، وتكون العاقبة بعد سنين ( فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ )[الأعراف:64].

وفي قصة عاد عليه الصلاة والسلام ، قال تعالى: ( فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا )[الأعراف:72] .

وفي قصة صالح عليه الصلاة والسلام ، قال تعالى مبيناً العقوبة التي نزلت بالمخالفين له (( فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ))[الأعراف:78].

وفي قصة لوط عليه الصلاة والسلام , قال الله: ( فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ )[الأعراف:84].

وفي قصة موسى عليه الصلاة والسلام , كيف كانت نهاية فرعون وجنوده ؟.

قال تعالى: ((فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ ))[الأعراف:136] .

الهمسة السابعة :
من السُنن الربانية أن الطغاة والمتكبرون وأهل الظلم لابقاء لهم ، بل إن نهايتهم أقبح نهاية ، وفي كتاب ربنا عدة شواهد ، فتأمل تدرك :
( فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا )[الأنعام:45] .
( وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا )[يونس:13] .

( وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ )[هود:37] .
( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ )[الشعراء:227] .

ولئن نجا الظالم من عقوبات الله في الدنيا لحكمة يعلمها الله تعالى ، فكيف سينجو يوم القيامة ؟.
قال تعالى: ( وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ )[سبأ:42]
وقال: ( يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ )[غافر:52]

والآيات في هذا الباب كثيرة .

الهمسة الثامنة :
في وقت الفتن يجب أن نعتصم بجماعة المسلمين مع ولي الأمر والعلماء والمصلحين وأن نحذر الفُرقة والاختلاف .
قال تعالى: ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا )[آل عمران:103]
وقال جل وعز ( وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ )[الأنفال:46] .

وعند الفتن تظهر أصوات المفسدين الذين يفرقون الصف ويدعون إلى مخالفة جماعة المسلمين ، فلنحذر منهم .
اللهم انصر من نصر دينك واخذل أعداء الإسلام يارب العالمين .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله.
عباد الله.. ومن الهمسات عند توالي الفتن ..

الهمسة التاسعة :
نلاحظ بعضاً من الناس يتحدثون عن الواقع ويبدءون في التحليل للأحداث ، وهنا إشارات :

١- تبقى هذه التحليلات التي تكون عبر الفضائيات أو الانترنت أو المجالس ( وجهات نظر ) قد تقبل وقد ترفض ، فلا نجعل ولاءنا لفلان أو غيره على حسب وجهة نظره وهل هو يوافقنا أو يخالفنا .

٢- لايصح أن نجزم بما سيكون بعد الحدث ، نعم هناك ( فراسة ودراسة وتوقعات ) ولكن تبقى غير مؤكدة الوقوع ، والله أعلم بما سيكون , والغريب أن البعض يقسم على ماذا سيحصل ، وهذا نوع من القسم غير المشروع .·

الهمسة العاشرة :
تتعجب من أقوامٍ جعلوا متابعة الواقع والأخبار في كل أوقاتهم ، حتى غفلوا عن الأعمال الصالحة ، ولو سألت أحدهم :

هل قرأت القرآن ؟. هل حافظت على الصلوات في أوقاتها ؟. هل تفقهت في دينك ؟. فلن تجد عنده جواب .

لأنه مشغول بمتابعة الأحداث عبر القنوات ومواقع التواصل .

وهذا بلا ريب من الاعتداء على الزمن بأن يُصرف جُله في أمور تتجدد وتتغير مابين لحظة وأخرى .

ولا يعني هذا أننا ندعو إلى إهمالِ العنايةِ بالواقع ولكن ومن خلال التجربة تكفينا دقائق في الليل والنهار في متابعة الجديد في الساحة .

الهمسةُ الحادية عشر :
يجب أن نتعاون في أزمنة الفتن في تثبيتِ بعضنا لبعض بكل ما يمكن من وسائل التثبيت ، من الدعاء ، أو الكلمة ، أو الزيارة .

وهذا التثبيتُ له دور كبير في وقت الفتن في تقوية القلب على المنهج .

وتأمل موقف خديجة رضي الله عنها مع النبي صلى الله عليه وسلم في بداية الوحي لما قال : " زملوني " وأخبرها الخبر في قصة الوحي .
قالت : " كلا والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق ". متفق عليه .

فهذا الموقف في ذلك الوقت كان له أثرٌ بالغ في تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم .

وتأمل موقف الإمام أحمد مع السارق في السجن , لما قال السارق له : يا أحمد اصبر فإنك على الحق . قال الإمام أحمد : فقوى قلبي .

والنماذج كثيرة في حياة السلف في تثبيتِ بعضهم لبعض .

فحري بأهل الإيمان أن يقفوا صفاً واحداً في التثبيت على الحق وتشجيع القائمين عليه ، والدفاع عنهم ؛ لأن النفس قد تضعف وقت الفتن, وخاصة عندما يتكالب الأعداء على المسلمين .

اللهم إنا نسألك الثبات على الحق ، اللهم افتح للمسلمين من أبواب فضلك ، اللهم يسر أمر المسلمين ، اللهم انتقم من أعدائك ياجبار ياقهار .

اللهم وفق ولي أمرنا لهداك واجعل عمله في رضاك .
اللهم ارزقه البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه .

سبحان ربك رب العزة عما يصفون ، وسلام على المرسلين ، والحمد لله رب العالمين . 

عدد الزوار 411
 
روابط ذات صلة